ذاكرة بنت جبيل الرقمية: كيف أنقذت سيدة أرشيف مكتبة المدينة من الدمار؟


هذا الخبر بعنوان "من بين الركام.. كيف حملت سيدة جنوبية ذاكرة مكتبة بنت جبيل؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في لحظات النزوح القسري من بنت جبيل تحت وطأة الحرب، اختارت ريما شرارة أن تحمل معها ما هو أثمن من المقتنيات الشخصية: جهاز حاسوب وأقراص صلبة تحتوي على سنوات من الصور والوثائق والتسجيلات والحكايات التي جمعتها مكتبة بنت جبيل العامة. لم تكن مجرد أجهزة إلكترونية تحملها، بل كانت ذاكرة مكان بأكمله، جزءاً من هوية مدينة قد لا تصمد جدرانها أمام الدمار.
كانت المكتبة، التي تأسست عام 2001 في مرحلة إعادة إعمار المدينة بعد الاحتلال الإسرائيلي، بمثابة قلب نابض للمجتمع. لم تكن مجرد مكان لاستعارة الكتب، بل تحولت في عام 2013 إلى مركز ثقافي واجتماعي في مبنى تاريخي، احتضنت آلاف الكتب النادرة والموسوعات والوثائق، وأصبحت مساحة للقراءة والتعلم واللقاء لأبناء المدينة والبلدات المحيطة، بما في ذلك الأطفال والنساء والطلاب والمدرسون.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تواجه فيها المكتبة خطر الفقدان. ففي حرب عام 2006، تضررت محتويات محفوظة على أجهزة الحاسوب بسبب القصف، مما دفع إلى تغيير استراتيجية الحفظ لتشمل نسخاً احتياطية متعددة. لكن حرب عام 2024 كانت أشد وطأة، حيث دُمّرت المكتبة بالكامل، وضاعت آلاف الكتب والمعدات.
ما أنقذته ريما لم يكن مجرد ملفات، بل كان أصوات الجنوب وتاريخه الشفهي. فقد جمعت المكتبة 24 رواية صوتية من 24 بلدة وقرية في قضاء بنت جبيل، استمعت فيها إلى كبار السن وهم يروون حكايات وأغاني وتجارب تناقلتها الأجيال. هذه التسجيلات، بالنسبة لريما، كانت تمثل أصواتاً قد لا تترك الحرب وراءها صوراً، لكن حكاياتها تبقى إذا حُفظت.
حتى بعد تضرر تجهيزات المكتبة في حرب عام 2024، استأنف العمل بسرعة، حيث فتحت أبوابها خلال أقل من أسبوع، لتصبح ملاذاً للطلاب والمدرسين لمتابعة الدروس عبر الإنترنت في وقت انقطعت فيه الخدمات. هذا الاستئناف السريع للعمل منح الكثيرين أملاً في استعادة إيقاع الحياة.
لكن الدمار الشامل في الحرب التي بدأت عام 2026 كان مختلفاً. لم يبقَ المبنى قائماً، واختفت المساحة التي خدمت أجيالاً. ومع ذلك، فإن ما حملته ريما معها - الصور والوثائق والتسجيلات والحكايات - يمثل أرشيفاً حياً لا يمكن تعويضه بسهولة. فالمباني يمكن إعادة ترميمها والكتب يمكن جمعها، لكن التفاصيل الإنسانية والعلاقات التي صنعت روح المكان قد تضيع.
لم تغادر كل الحكاية مع المبنى. بقيت لجنة النساء، والعلاقات التي تشكلت، والمواد التي خرجت قبل الدمار. تؤمن ريما بأن إعادة البناء لا تبدأ دائماً بالحجر، بل بما يحمله الناس معهم. أرشيف خرج من المكتبة قبل أن يصل إليها الدمار، يحمل أصوات أهل بنت جبيل وصورهم وتفاصيل حياتهم، ليثبت أن المكان كان أكثر من مجرد جدران، وأن له تاريخاً يستحق أن يبقى.
سياسة
ثقافة
سياسة
ثقافة