قطر
اقتصاد

الفجوة التعليمية في فرنسا: من المدرسة الفقيرة إلى الجامعة البعيدة.. كيف يحدد العنوان المستقبل؟

الجزيرة١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٢ م0 مشاهدة
الفجوة التعليمية في فرنسا: من المدرسة الفقيرة إلى الجامعة البعيدة.. كيف يحدد العنوان المستقبل؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مدرسة فقيرة وجامعة بعيدة.. خريطة الفجوة التعليمية في فرنسا" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتعمق حلقة “المخبر الاقتصادي” في الأسباب الكامنة وراء غضب طلاب فرنسا، متجاوزةً مجرد الاحتجاجات الظاهرة. فالقصة تبدأ من داخل الفصول الدراسية التي تعاني من نقص المعلمين، ومن الحافلات التي لا تنتظر، والمقاعد الجامعية التي قد تكون بعيدة المنال. لم تكن لافتة طالبة فرنسية في احتجاج مدرسي مجرد شعار، بل تعبيراً صادقاً عن واقع مرير: "عنوان بيتنا لا ينبغي أن يحدد مستقبلنا". الطالبة مايسا، من ثانوية لو كوربوزييه في ضاحية أوبرفيلييه شمالي باريس، روت تجربتها في دخول امتحان اللغة الفرنسية دون معلم للمادة، وهو ما نقلته وكالة رويترز وعرضته حلقة "المخبر الاقتصادي".

هذه الحادثة ليست استثناءً، بل هي مدخل لطرح سؤال أعمق يواجه طلاب الثانويات الفرنسية: ما قيمة وعد التعليم المجاني حين يتأثر مستوى الفرص التعليمية بنوع المنطقة السكنية، وقدرة الأسرة المادية، وسهولة الوصول إلى المؤسسات التعليمية؟ بينما ركزت التغطية الإعلامية للاحتجاجات على إغلاق المدارس والاشتباكات ومطالب الطلاب المتعلقة بنقص المعلمين، الاكتظاظ، وتهالك البنية التحتية، يقدم "المخبر الاقتصادي" منظوراً مختلفاً: كيف يمكن لنقص يبدو بسيطاً، كإلغاء حصة أو طول المسافة إلى المدرسة، أن يتفاقم ليصبح فجوة تعليمية تمتد من الثانوية إلى الجامعة وسوق العمل.

مدرسة لا تمنح الجميع الوقت نفسه للتعلم

بدأت الشرارة من مجمع أنطوان دو سانت إكزوبيري في كريتاي، جنوب شرقي باريس، حيث أضرب المعلمون في سبتمبر/أيلول بسبب نقص يقارب 10 موظفين. نظّم الطلاب بعدها إغلاقاً للمؤسسة، وفق شهادة الطالبة ديليمو التي نقلتها صحيفة لوموند. لكن المشكلة لم تكن محصورة في تلك المدرسة. فبيانات إدارة التقييم والاستشراف والأداء التابعة لوزارة التربية الفرنسية تشير إلى أن طلاب المرحلة الثانوية العامة لم يتلقوا 9.8% من ساعات التدريس المقررة خلال العام الدراسي 2024-2025. يُعزى 7.5% من هذا النقص إلى عدم تعويض غياب المعلمين، و2.3% إلى إغلاق المؤسسات. لا يعني هذا أن جميع الطلاب فقدوا نفس الحصص أو تأثروا بنفس الدرجة. هنا تكمن الفجوة الأهم: في حين تستطيع بعض الأسر توفير دروس خاصة أو بدائل تعليمية، يخسر طالب آخر الحصة دون تعويض. يتحول نقص المعلمين بذلك من خلل إداري إلى تفاوت في شروط التعليم.

يظهر أثر نقص المعلمين أيضاً في الوقت الدراسي المفقود. فتقرير للجنة المالية في مجلس الشيوخ الفرنسي يوضح أن أيام الغياب الطويلة غير المعوضة للمعلمين في التعليم الثانوي بلغت 949,493 يوماً خلال العام الدراسي 2023-2024، بزيادة 93.2% مقارنة بعام 2018-2019. يُعرّف التقرير الغياب الطويل بأنه ما تجاوز 15 يوماً.

مبانٍ قديمة وفصول مكتظة

لا تتوقف الفجوة عند غياب المعلم. فبيانات وزارة التربية الفرنسية تظهر أن متوسط عمر مباني الثانويات العامة والتكنولوجية يبلغ 65 عاماً، ويرتفع إلى 71 عاماً في الثانويات المهنية. ولم يخضع للبناء أو التجديد خلال العقد الأخير سوى 15% من هذه المباني. في ثانوية بول إيلوار في سان دوني، تحدثت الطالبة فضيلة لوكالة رويترز عن فصول جاهزة، مشكلات في المياه، وانتشار القوارض والحشرات. هذه الشهادات، رغم أنها لا تصلح للتعميم، تفسر لماذا أصبحت حالة المباني مطلباً رئيسياً في الاحتجاجات. وحسب بيانات منصة أغورا الحكومية، وضع 48.2% من الطلاب المشاركين حالة المباني والتكييف والعزل ضمن أولوياتهم، بينما اعتبر 22.5% الاكتظاظ في الفصول من أبرز المشكلات. كما تصدر تنظيم الوقت واليوم الدراسي القائمة بنسبة 70%.

اليوم الدراسي لا يتعلق بالراحة فقط. الطالبة إيما من ثانوية هنري أفريل في لامبال، غربي فرنسا، تضطر أحياناً للاختيار بين تناول الغداء واللحاق بحافلة العودة إلى منزلها. زميلتها ألينور تستيقظ عند 5:30 صباحاً لتقضي أكثر من ساعة في الحافلة قبل بدء الدروس. هذه التفاصيل تضع عنوان السكن في قلب القضية، فالمسافة ليست عبئاً متساوياً على الجميع. وعندما تتزاحم الحصص أو تتسع ساعات الفراغ، يصبح الوقت مورداً غير موزع بالتساوي.

مسارات أكثر تعقيداً

تربط الحلقة جانباً من أزمة الجداول بإصلاح البكالوريا الذي طُبق عام 2018، حيث ألغيت المسارات التقليدية واستبدلت باختيارات مواد تخصصية. الهدف كان توسيع الخيارات، لكن النتيجة كانت جداول أكثر تعقيداً وساعات فراغ طويلة وأياماً دراسية تمتد من الصباح إلى المساء. المشكلة ليست في تنويع الاختيارات، بل في قدرة المدرسة على تنظيمها بعدالة. فالخيار لا يصبح حرية حقيقية إذا افتقد الطالب المواصلات المناسبة أو لم تتوفر في مدرسته المعلم أو التخصص المطلوب. يوضح مثال الطالب كيليان، الذي لم يحصل على مسار التجارة الذي طلبه ووُجّه إلى شعبة صيانة الإنتاج في ثانوية جول ميشليه، ليجد أن المؤسسة تفتقر إلى معلم الاقتصاد والإدارة.

المقعد موجود.. لكن هل هو متاح؟

تبلغ هذه المفارقة ذروتها بعد البكالوريا. فبحسب بيانات وزارة التعليم العالي الفرنسية، تلقى 577 ألف طالب عرض قبول واحداً على الأقل عبر منصة "باركورساب" في موسم 2026، بينما بقي 126 ألفاً بلا عرض، وظلت 83 ألف مقعد شاغر. وجود مقعد شاغر لا يعني بالضرورة إمكانية الوصول إليه. فقد يكون التخصص مختلفاً، أو في مدينة بعيدة، أو يتطلب تكاليف سكن وتنقل لا تملك الأسرة كلفته. المفارقة هنا ليست بين المقاعد والطلاب، بل بين توفر المقعد في النظام وإمكان شغله في حياة الطالب. وتزداد هذه المسافة وضوحاً عند حساب كلفة بدء الدراسة الجامعية. فالحلقة تستند إلى تقرير لاتحاد طلاب فرنسا عن كلفة الدخول الجامعي، وتربطها بالسكن والتنقل والاحتياجات اليومية، لا بالرسوم الدراسية وحدها. فالرسوم المنخفضة لا تلغي كلفة العيش قرب المؤسسة أو الانتقال إليها.

تشير بيانات وزارة التعليم العالي إلى استفادة 656 ألف طالب من منح اجتماعية في العام الدراسي 2025-2026، بحد أدنى يبلغ 1454 يورو سنوياً. ومع ذلك، يوضح مسح للمرصد الوطني للحياة الطلابية أن 44% من الطلاب يعملون خلال العام الدراسي، وأن 59% منهم يرون العمل ضرورياً للعيش، فيما يقول 36% إنهم لا يستطيعون مواصلة الدراسة بدونه.

الشهادة ليست ضماناً

تتجاوز مخاوف الطلاب الوصول إلى الجامعة إلى ما بعد التخرج. فبحسب بيانات مركز الدراسات والبحوث (Céreq) حول المؤهلات، يبلغ معدل البطالة بعد ثلاث سنوات من مغادرة التعليم 40% لدى غير الحاصلين على مؤهل. كما يعمل 89% من خريجي التعليم العالي بعد ست سنوات، لكن 27% منهم يشغلون وظائف أدنى من مؤهلاتهم.

نظام التعليم في مواجهة الغضب

لا تكفي قراءة الأزمة من بوابة الإنفاق العام فقط. فمشروع موازنة التعليم لعام 2027 يرفع مخصصات التعليم المدرسي من 64.4 إلى 65.5 مليار يورو، لكنه يتضمن إلغاء 1588 وظيفة تعليمية دائمة، منها 1250 في التعليم العام. تقول الحكومة إن تراجع أعداد الطلاب يبرر جزءاً من إعادة توزيع الوظائف، بينما ترى النقابات والطلاب أن النقص القائم يزيد المشكلة. الأرقام لا تحسم وحدها ما إذا كانت الموازنة كافية، لكن تجربة الطلاب تطرح سؤال توزيع الموارد، لا حجمها الإجمالي فقط.

سؤال عن عقد اجتماعي

لم يكن لافتاً فقط احتجاج طلاب الضواحي والأرياف، بل انضمام طلاب مؤسسات نخبوية مثل "هنري الرابع" و"لوي لوغران". طالبة من "لوي لوغران" أكدت أن الامتيازات المتاحة في مدرستها يجب أن تكون حقوقاً لكل الطلاب. هذه الجملة تلخص جوهر الحراك. فالغضب ليس فقط من حصة لم تُعقد أو مبنى لم يُرمم، بل من تآكل وعد أقدم: أن التعليم العام يمكن أن يعوض تفاوت البداية، لا أن يعيد إنتاجه. المقاعد قد تكون موجودة، والجامعة قد تظل مفتوحة، والموازنة قد ترتفع. لكن الفرصة لا تبدأ عند إعلان القبول، ولا تنتهي عند باب المدرسة. إنها تتشكل قبل ذلك بكثير، في عنوان البيت، ووقت الحافلة، وحضور المعلم، وقدرة الأسرة على تحمل ما لا يظهر في تعريف التعليم المجاني.

شارك الخبر: