سبع سنوات من حكم قيس سعيّد: تقييم الوعود الاقتصادية للتونسيين بين الواقع والتحديات


هذا الخبر بعنوان "7 سنوات من حكم قيس سعيّد.. ماذا تحقق من الوعود الاقتصادية للتونسيين؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل ارتفاع نسب التضخم الذي أثّر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للتونسيين، يواجه سائق سيارة الأجرة حسام الوسلاتي، وغيره الكثيرون، واقعاً اقتصادياً صعباً. يضطر حسام للعمل لساعات إضافية لتعويض ارتفاع تكاليف تشغيل سيارته، حيث قفز سعر زيت المحرك من حوالي 35 ديناراً في عام 2018 إلى ما يقارب 100 دينار اليوم. بعد مرور نحو سبع سنوات على تولي الرئيس قيس سعيّد الحكم، أصبح قياس التغير الاقتصادي لدى حسام يتم من خلال المصاريف الإضافية التي يتحملها والوقت الذي يخصصه لتعويضها، أكثر من قياسه بنسب النمو أو بيانات الميزانية.
خلال السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد التونسي تحديات متعددة، أبرزها جائحة كورونا، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالمياً، وتداعيات الحرب على إيران التي اندلعت في فبراير/شباط 2026. بينما تؤكد الحكومة التونسية قدرة البلاد على الصمود أمام هذه الصدمات، يرى خبراء أن المؤشرات الاقتصادية والمالية لا تزال تكشف عن صعوبات مستمرة في مجالات النمو والتشغيل والتمويل، مع تزايد الضغوط على القدرة الشرائية.
تآكل القدرة الشرائية
تصل الزيادة في سعر زيت المحرك الذي يستخدمه حسام إلى 186%، وهو مثال حي على الضغوط التي يواجهها العاملون الذين ترتبط مداخيلهم بتكاليف تشغيل مستمرة. تتجلى هذه الضغوط أيضاً في أسعار الغذاء، حيث بلغ معدل التضخم في تونس 5.6% في سبتمبر/أيلول 2026، مقارنة بـ 5.4% في أغسطس/آب، و 4.8% في يناير/كانون الثاني، وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء. ارتفعت أسعار التغذية والمشروبات بنسبة 8.4% على أساس سنوي، وشملت الزيادات الدواجن (16.5%)، والغلال (16.3%)، ولحوم الضأن (14.6%). أما التضخم الأساسي، الذي يستثني الطاقة والغذاء، فقد بلغ 4.9%.
يشير الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي إلى أن قراءة التضخم يجب أن تأخذ في الاعتبار الزيادات المتراكمة في الأسعار خلال السنوات الماضية وقدرة المداخيل على مواكبتها. وفقاً لتقديراته، بلغ متوسط التضخم السنوي 6.8% بين عامي 2015 و 2021، وارتفع إلى 8.1% بين عامي 2021 و 2026، مما يعني أن الأسر واجهت ضغوطاً سعرية أكبر في الفترة الثانية. وعلى الرغم من إشارة الحكومة إلى تراجع التضخم في بعض الفترات وقرار البنك المركزي التونسي خفض نسبة الفائدة المديرية مرتين في عام 2025 إلى 7%، يربط الشكندالي الضغوط على القدرة الشرائية بتراجع فرص التمويل المتاحة للأسر. فقبل عام 2021، كانت القروض والتسهيلات البنكية تتيح للمستهلكين توزيع نفقاتهم على فترات أطول، لكن تشدد شروط التمويل والتغييرات المتعلقة بالشيكات قللت من هذه الإمكانيات، مما جعل الأسر تواجه ارتفاع الأسعار بقدرة أقل على الاقتراض وتأجيل السداد.
النمو والاستثمار: أين تتجه عجلة الاقتصاد؟
نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في تونس بنسبة 2.3% خلال الربع الثاني من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وبنسبة 1.4% مقارنة بالربع الأول، وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء. وكانت فرضية النمو التي بُني عليها قانون المالية لعام 2026 تبلغ نحو 3.3%. يرى الشكندالي أن فرضيات الميزانية أصبحت بعيدة عن التطورات الاقتصادية، وأن تحويل النمو إلى فرص عمل ومداخيل إضافية يتطلب زيادة الاستثمار والإنتاج. ويشير في تفسيره للضغوط الاقتصادية إلى ضعف الاستثمار وتراجع الإنتاج، بالإضافة إلى تزايد اعتماد الدولة على الاقتراض الداخلي لتمويل احتياجاتها. بلغت هذه الاقتراضات نحو 7 مليارات دينار في عام 2024، ومثلها في عام 2025، فيما تحدث عن اقتراض بقيمة 11 مليار دينار في بداية عام 2026. ويرى الشكندالي أن توسع الدولة في الاقتراض الداخلي قد يضغط على السيولة المتاحة للقطاع الخاص، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى تمويل المؤسسات والاستثمار والإنتاج. ويؤكد أن هذا الاقتراض ليس العامل الوحيد وراء ضعف النمو أو التضخم، إذ تتداخل معه الأسعار العالمية، ومستويات الإنتاج المحلي، وكلفة الواردات، والسياسات النقدية والمالية.
البطالة: تراجع في المعدل وصعوبات مستمرة
بلغت نسبة البطالة 14.9% في الربع الثاني من عام 2026، مقابل 15.3% في الفترة نفسها من العام السابق، بعدما كانت 17% في عام 2020، وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء. ومع ذلك، تظل البطالة مرتفعة لدى الشباب (15-24 عاماً) بنسبة 35.4%، ولدى حاملي شهادات التعليم العالي بنسبة 26.6%. تضع هذه الأرقام تشغيل الشباب والخريجين ضمن أبرز التحديات الاقتصادية، إلى جانب توفير وظائف مستقرة ومداخيل تواكب كلفة المعيشة.
مقاومة الاحتكار: بين أهداف السلطة واضطراب السوق
جعل الرئيس قيس سعيّد مقاومة الاحتكار والمضاربة أحد محاور خطابه الاقتصادي، معتبراً إياها وسيلة لحماية المستهلك وتحقيق العدالة الاجتماعية. في المقابل، انتقد خبراء هذه السياسات، معتبرين أنها لم تميز بما يكفي بين التخزين بغرض المضاربة والتخزين الضروري لضمان انتظام التزويد. ويرى هؤلاء أن إضعاف منظومة التخزين، دون توفير بدائل تؤمّن استمرارية العرض، ساهم في نقص المواد واضطراب الأسواق بدلاً من خفض الأسعار. وتعتمد السوق التونسية في بعض المواد الأساسية على التوريد والتخزين والتوزيع عبر مؤسسات تجارية وعمومية، مما يجعل تراجع المخزونات أو تعطل قنوات التزويد سبباً لفجوات في العرض يصعب علاجها بالإجراءات الرقابية وحدها. وفي السياق نفسه، اعتبر حزب التيار الديمقراطي في بيان أن سياسة الهروب إلى الأمام ونسب الإخفاقات الاقتصادية إلى المؤامرات لن تحل المشكلات، بل ستؤدي إلى تفاقمها.
الدين العام: تمويل الالتزامات على حساب هامش المناورة
ارتفع الدين العام التونسي من 67.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 84.9% في عام 2024، قبل أن يتراجع إلى 82.1% في عام 2025، وفقاً لبيانات وزارة المالية. ويقدر قانون المالية لعام 2026 نسبة الدين بنحو 83.4% من الناتج المحلي الإجمالي. تظل خدمة الدين ضغطاً على المالية العمومية، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تمويل الأجور والنفقات الاجتماعية والدعم والاستثمار العمومي. ويربط الشكندالي هذا الضغط بتراجع هامش المناورة المالية، خصوصاً مع ارتفاع حاجات التمويل وتزايد كلفة بعض الواردات. ويوضح أن تقييم استدامة المالية العمومية يتطلب النظر إلى كلفة الاقتراض وآجاله وقدرة الاقتصاد على النمو، فضلاً عن الموارد المخصصة للاستثمار والنفقات الاجتماعية. يجعل استمرار ارتفاع الاحتياجات التمويلية التوفيق بين خدمة الدين والإنفاق الاجتماعي والاستثمار أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي.
ضغوط إضافية
اعتمد قانون المالية لعام 2026 فرضية سعر لبرميل خام برنت في حدود 63.3 دولاراً، لكن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية في ظل تداعيات الحرب على إيران زاد الضغوط على الميزانية التونسية. بلغ متوسط سعر البرميل نحو 92.6 دولاراً حتى نهاية يونيو/حزيران، بزيادة قدرها 29.3 دولاراً عن الفرضية المعتمدة. بلغت نفقات دعم المحروقات 2.427 مليار دينار خلال النصف الأول من العام، بما يعادل 48.6% من الاعتمادات المخصصة لها في قانون المالية، بينما بلغت نفقات الاستثمار العمومي خلال الفترة نفسها 1.665 مليار دينار. تكشف هذه الأرقام الضغط الذي تفرضه فاتورة الطاقة على الموارد المتاحة للاستثمار، مع سعي الدولة إلى المحافظة على أسعار المحروقات للمستهلكين. يحذر الشكندالي من امتداد هذه الضغوط إلى التوازنات الخارجية، إذ تزيد كلفة الواردات الحاجة إلى العملة الأجنبية، وتضغط على الاحتياطي وسعر صرف الدينار، خصوصاً مع ضعف الصادرات أو الإنتاج المحلي في بعض القطاعات. ويشير في هذا السياق إلى العجز التجاري مع عدد من الشركاء، ومن بينهم الجزائر في مجال الطاقة ومصر، باعتباره أحد الملفات المرتبطة باختلال التوازنات الخارجية. كما يرى أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط يصعّب إعداد الميزانية على أساس فرضيات ثابتة لأسعار الطاقة، داعياً إلى اعتماد سيناريوهات متعددة عند تقدير حاجات التمويل والدعم.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد