قطر
سياسة

ترامب وأوروبا: هل يسعى الرئيس الأمريكي لإعادة تشكيل التحالف لصالح واشنطن أم لتمكين أوروبا؟

الجزيرة١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٦ م0 مشاهدة
ترامب وأوروبا: هل يسعى الرئيس الأمريكي لإعادة تشكيل التحالف لصالح واشنطن أم لتمكين أوروبا؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ماذا يريد ترمب من أوروبا؟ تحالف مشروط أم شراكة منقوصة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عقود من الزمن شهدت تحالفًا وثيقًا بين ضفتي الأطلسي، بدا وكأنه لا ينفصم. لكن مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في بداية عام 2025، تغيرت طبيعة هذه العلاقة بشكل جذري. لم تعد الخلافات مقتصرة على مطالبات بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، بل امتدت لتشمل قضايا التجارة والطاقة، بل وحتى السيادة الوطنية والهوية الأوروبية نفسها. تحولت لغة المطالبات إلى تهديدات بفرض رسوم جمركية وضم أراضٍ، مع تجاهل استشارة الحلفاء الأوروبيين في قرارات عسكرية هامة مثل الحرب على إيران.

على الرغم من هذه التحديات، لا يزال هناك تعاون عسكري واقتصادي مستمر، حيث شهد عام 2026 خطوات لتعزيز قدرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ودخول اتفاق تجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ. تبرز هنا تساؤلات حول رؤية ترامب لأوروبا: هل يريدها قوية بما يكفي للدفاع عن نفسها أم ضعيفة بما يكفي للحفاظ على النفوذ الأمريكي؟ وهل يسعى لإعادة تأسيس التحالف الغربي بشروط تمنح واشنطن مكاسب أكبر والتزامات أقل؟

وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، التي نشرتها إدارة ترامب في ديسمبر/كانون الأول 2025، تقدم رؤية واضحة لطبيعة أوروبا التي تريدها واشنطن. حمل فصل بعنوان "تعزيز عظمة أوروبا" نبرة حادة، ربطت "عظمة أوروبا" باستعادة الهوية الغربية والمسيحية التقليدية، وشجعت على مقاومة داخلية لتغيير المسار الحالي. حددت الوثيقة أولويات السياسة الأمريكية تجاه أوروبا، منها: تحميل الأوروبيين المسؤولية الأساسية عن أمنهم، رفع إنفاق الناتو الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، فتح الأسواق الأوروبية أمام السلع والخدمات الأمريكية، وإنهاء الحرب في أوكرانيا وإعادة تهيئة ظروف الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا.

لا تدعو الاستراتيجية الجديدة إلى التخلي عن أوروبا، لكنها ترسم لها صورة مطلوبة: قارة تتحمل مسؤولية أمنها، تفتح أسواقها، وتشارك الولايات المتحدة أولوياتها الاستراتيجية، دون أن تتحول إلى قوة منافسة أو تقع تحت نفوذ خصوم واشنطن. الجانب الأكثر إثارة للجدل هو الموقف من التطورات السياسية الداخلية الأوروبية، والترحيب بتنامي نفوذ الأحزاب "الوطنية"، وهو ما اعتبره الكثيرون إشارة إلى اليمين المتطرف والشعبوي، مما يفتح بابًا آخر للخلاف مع الحكومات الأوروبية.

فاتورة الحماية: لطالما طالبت إدارات أمريكية سابقة بزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، لكن ترامب صعد اللهجة وانتقد اعتماد أوروبا على المظلة الدفاعية الأمريكية. أثمرت ضغوطه عن اتفاق في قمة الناتو بلاهاي عام 2025 على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035. أكدت قمة الناتو في أنقرة عام 2026 استمرار هذا التوجه، مع زيادة الإنفاق الدفاعي لدول أوروبا وكندا بأكثر من 139 مليار دولار في عام 2025. السؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال، بل بالجهة المستفيدة. قد تعني زيادة الموازنات العسكرية الأوروبية توسيع مشتريات الأسلحة الأمريكية، مما يعزز ارتباط الجيوش الأوروبية بالتكنولوجيا الأمريكية. في المقابل، يدفع اتجاه آخر داخل أوروبا نحو توجيه الأموال إلى الشركات الأوروبية لتعزيز الاستقلال العسكري.

مكاسب اقتصادية: بالنسبة لترامب، رجل الأعمال، لا يقل الاقتصاد أهمية. تعتبر حساباته أن الدول الأوروبية تستفيد من الحماية الأمنية الأمريكية وتحتفظ بفوائض تجارية كبيرة مع واشنطن. مارس ترامب ضغوطًا لانتزاع اتفاق على جمارك أمريكية بنحو 15% على معظم الصادرات الأوروبية، مقابل إلغاء الاتحاد الأوروبي الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية، وشراء منتجات طاقة أمريكية تصل إلى 750 مليار دولار حتى عام 2028، واستثمارات إضافية بقيمة 600 مليار دولار، ومشتريات من رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية لا تقل عن 40 مليار دولار. هذه الأرقام تكشف اتساع الطموحات الأمريكية وسعي أوروبا لاحتواء خطر الحرب التجارية.

هيمنة أم لغة مصالح؟ تملك واشنطن مبررات أمنية واقتصادية للمطالبة بزيادة الإنفاق الأوروبي، خاصة مع استمرار الحرب الأوكرانية وتصاعد المنافسة مع الصين. لكن الضغوط الأمريكية تجاوزت أحيانًا الخلافات التقليدية، كما ظهر في أزمة غرينلاند، حيث هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية لمعارضتها مساعيه للسيطرة على الجزيرة. أثارت الأزمة اعتراضات أوروبية لأنها تعلقت بسيادة دولة حليفة.

معضلتا أوكرانيا وإيران: الحرب الروسية الأوكرانية كشفت اختلاف الأولويات. بينما أعطى ترامب الأولوية لإنهاء الحرب عبر التفاوض وتقليل الأعباء الأمريكية، يريد الأوروبيون ضمانات أمنية تمنع تكرار الهجوم الروسي. الاتفاق الأخير لاستيراد الديزل من روسيا وتخفيف القيود المفروضة عليه أغضب الأوروبيين، وأعاد التساؤل عما إذا كان ترامب يريد تحديد شروط التسوية وفق مصالحه الخاصة. أما الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فقد أظهرت خلافًا أكثر مباشرة حول قرار المشاركة. رفض الحلفاء الأوروبيون الانخراط في العمليات العسكرية، مؤكدين أن الدفاع المشترك لا يعني المشاركة تلقائيًا في حروب لم يتفقوا عليها مسبقًا.

استقلال أوروبي؟ دفعت الضغوط الأمريكية الأوروبيين إلى إعادة طرح سؤال قديم: هل تستطيع القارة حماية نفسها دون الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة؟ قدمت المفوضية الأوروبية خطة "إعادة تسليح أوروبا/الجاهزية 2030"، التي تتيح المجال لتعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو للاستثمارات الدفاعية. لكن أوروبا لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في مجالات حساسة. تختلف العواصم الأوروبية بشأن مدى الاستقلال المطلوب؛ فبينما تدفع فرنسا باتجاه تعزيز السيادة الدفاعية، تتمسك دول شرق أوروبا بأهمية استمرار الوجود العسكري الأمريكي. يبدو التوجه الحالي أقرب إلى تقليص التبعية وتوسيع حرية القرار الأوروبي منه إلى الانفصال الكامل.

مستقبل التحالف: الوثائق الرسمية الأمريكية وتصريحات ترامب لا تدعو إلى التخلي الكامل عن أوروبا، بل إلى إعادة صياغة التحالف بشروط أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية. يريد ترامب حليفًا يتحمل النصيب الأكبر من مسؤولية الدفاع، ويزيد إنفاقه العسكري، ويفتح أسواقه، ويوسع مشترياته، ويتقارب مع أولويات واشنطن الاستراتيجية. نجاح ترامب في دفع أوروبا إلى مساهمة أكبر سيمنحها في الوقت نفسه استقلالًا أكبر، مما يمكنها من مخالفة واشنطن ورفض بعض مطالبها. سيتحدد مستقبل التحالف بمدى توحد المواقف الأوروبية وقدرتها على تحمل تكلفة الاستقلال النسبي. يمكن تصور ثلاثة مسارات مستقبلية: استمرار إعادة التوازن داخل الناتو مع استمرار القيادة الأمريكية، توسع الاستقلال الأوروبي تدريجيًا ضمن التحالف، أو تصاعد الخلافات التجارية والسياسية بما يضعف قدرة الطرفين على العمل المشترك. في ظل مناخ عالمي متقلب، ستكون السنوات المقبلة مسرحًا لتشكل قواعد جديدة لتحالف ظل أحد أبرز أعمدة النظام الدولي.

شارك الخبر: