كيف تتخذ قرارات الاستثمار السليمة وتدير أموالك في ظل اضطرابات الأسواق وتقلبات الأرقام؟


هذا الخبر بعنوان "بوصلة الاستثمار وسط العاصفة.. كيف تستثمر حين تصمت الأرقام؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تضع اضطرابات التجارة وتقلبات أسعار الطاقة والفائدة، إلى جانب الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، المستثمرين أمام حسابات تتجاوز نتائج الشركات وأرباحها. فتغير كلفة التمويل أو اضطراب الإمدادات أو ظهور تقنيات منافسة قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم الشركات، قبل أن تنعكس آثار هذه التطورات على قوائمها المالية. وفي هذه البيئة، يصعب التمييز بين هبوط مؤقت في الأسعار وتراجع يعكس تغيرا جوهريا في آفاق الاستثمار.
ويجد المستثمر نفسه بين الخوف من اتساع الخسائر والرغبة في اقتناص الفرص، بينما تزيد الأخبار المتلاحقة والتوصيات المتضاربة صعوبة اتخاذ القرار. وتقدم خسائر إنفيديا في 27 يناير/كانون الثاني 2025 مثالا على سرعة تغير حسابات الأسواق، إذ فقدت الشركة نحو 593 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة واحدة، بعدما هوى سهمها بنحو 17%، مسجلا أكبر خسارة يومية في القيمة السوقية لشركة أمريكية آنذاك.
ولم يكن وراء الهبوط إعلان عن انهيار الأرباح أو تراجع مبيعات الرقائق، بل ظهور نموذج ذكاء اصطناعي منخفض التكلفة طورته شركة ديب سيك الصينية، أثار تساؤلات بشأن حجم الإنفاق اللازم لتطوير هذه التكنولوجيا، ومدى استمرار الطلب على الرقائق المتطورة بالوتيرة التي توقعتها الأسواق. وتكشف الواقعة أن دراسة أرباح الشركة وأدائها، على أهميتها، لا تحسم وحدها جدوى الاستثمار فيها.
خسرت الشركات المدرجة في مؤشر إس آند بي 500 نحو 2.4 تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة الثالث من أبريل/نيسان 2025، عقب إعلان واشنطن فرض رسوم جمركية واسعة على الواردات، وسط مخاوف من اضطراب التجارة العالمية وتباطؤ النمو الاقتصادي. ولم تعكس موجة البيع تراجعا معلنا في أرباح الشركات الأمريكية خلال تلك ساعات، بل شهدت تغيرا في توقعات المستثمرين بشأن تكاليف الإنتاج وسلاسل التوريد والطلب.
وتبرز هذه الواقعة صعوبة اتخاذ القرار الاستثماري عندما تتغير السياسات الاقتصادية بصورة مفاجئة، إذ يضطر المستثمر إلى مراجعة حساباته بمعلومات غير مكتملة، وقد لا توفر التجارب السابقة أساسا كافيا لتقدير حجم الخسائر المحتملة أو مدتها.
تتداخل أسعار الفائدة وأرباح الشركات مع تكاليف الطاقة والتوترات التجارية والتحولات التكنولوجية في تحديد وجهة رؤوس الأموال، فتتغير جاذبية الأسواق والقطاعات، ويعيد المستثمرون النظر في توزيع أموالهم. وتوضح أزمة الطاقة عام 2022 كيف تنتقل آثار هذه المتغيرات بين الأسواق، إذ ارتفعت أسعار الطاقة في الولايات المتحدة بنسبة 41.6% خلال يونيو/حزيران على أساس سنوي، مما أسهم في بلوغ التضخم 9.1%، وفق مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
ومع تصاعد الضغوط التضخمية، رفع الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة تدريجيا إلى نطاق بين 5.25% و5.50% في يوليو/تموز 2023. وعزز ذلك العوائد المتاحة على أدوات الدخل الثابت، لكنه زاد كلفة الاقتراض، وضغط على قدرة الشركات على تمويل توسعاتها. وتؤثر التوترات التجارية والجيوسياسية كذلك في وجهة الاستثمارات، فبحسب صندوق النقد الدولي، بات التقارب الجيوسياسي بين الدول يؤدي دورا متزايدا في توجيه الاستثمار الأجنبي المباشر.
وبالتوازي، يستقطب الذكاء الاصطناعي استثمارات ضخمة في الرقائق ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء، بما يوسع الفرص أمام المستثمرين. غير أن جاذبية هذه المجالات ترتبط بقدرة الشركات على تحويل إنفاقها إلى أرباح تبرر تقييماتها المرتفعة.
هذه المفارقة واجهت مستثمري مايكروسوفت خلال عام 2022، بعدما سجلت الشركة إيرادات قياسية بلغت 198.3 مليار دولار في سنتها المالية المنتهية في يونيو/حزيران، بزيادة 18%، بينما أنهى سهمها العام متراجعا بنحو 28%، وفقًا لبيانات الشركة وإس آند بي جلوبال.
لم يكن هذا التراجع نتيجة تدهور الأداء المالي للشركة، فقد تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط واسعة مع ارتفاع أسعار الفائدة والمخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي، ما وضع المستثمرين أمام معضلة تتعلق بكيفية تحديد القيمة العادلة للشركات عندما تتغير الظروف المحيطة بها رغم نتائجها المالية القوية.
لم يعد المستثمر يعاني من نقص المعلومات، بعدما أصبح بإمكانه متابعة أخبار الأسواق وتحليلات الخبراء وتوصيات الشراء والبيع لحظة بلحظة. وتكشف دراسة نشرتها هيئة السلوك المالي البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 2024 حجم تأثير هذه العوامل في قرارات المستثمرين الشباب، إذ أظهرت أن 66% من المشاركين في استطلاع شمل ألفي مستثمر تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاما يتخذون قرارهم الاستثماري في أقل من يوم.
وأقر 51% من المشاركين بأن الخوف من تفويت الفرص دفعهم إلى استثمار أموال أكثر مما كانوا ينوون في البداية، بينما أعرب نحو 40% عن ندمهم على شراء أصول استثمارية حظيت باهتمام واسع. وظهر ذلك خلال موجة المضاربة على سهم شركة جيم ستوب الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2021، حين قفز السهم من نحو 20 دولارا إلى 483 دولارا قبل أن يتراجع بصورة حادة.
عندما تضطرب الأسواق، يتجه المستثمرون عادة إلى السندات الحكومية والذهب والسيولة النقدية بحثًا عن الأمان، لكن هذه الأصول لا توفر بالضرورة الحماية نفسها في جميع الأزمات. ففي عام 2022، سجل مؤشر بلومبيرغ للسندات الأمريكية الشاملة خسارة بلغت 13.04%، بينما أنهى الذهب العام مرتفعًا بنسبة 0.4% بالدولار الأمريكي، في حين تراجعت القوة الشرائية للدولار بنحو 7.4% نتيجة التضخم.
تؤكد هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن تقلبات الأسواق لا تستدعي بالضرورة اتخاذ قرارات متسرعة، مشددة على أهمية الالتزام بخطة استثمارية تراعي الأهداف المالية والقدرة على تحمل المخاطر، مع مراجعة توزيع الاستثمارات وإعادة التوازن عند الحاجة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد