كيف سقط الإعلام الإسرائيلي في اختبار 7 أكتوبر وتحول إلى أداة للتعبئة؟


هذا الخبر بعنوان "كيف سقط الإعلام الإسرائيلي في اختبار 7 أكتوبر ؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
اتسم يوم الطوفان بـ "فراغ معلوماتي مطلق" وتحولت غرف الأخبار الإسرائيلية إلى مراكز لتلقي نداءات الاستغاثة. ففي العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبعد 3 أيام من بدء المقاومة الفلسطينية عملية طوفان الأقصى، ظهرت نيكول زيديك، مراسلة قناة "آي 24 نيوز"، من كيبوتس كفار عزة، لتنقل عن جنود إسرائيليين مزاعم بشأن قطع المقاومة رؤوس أطفال بعد قتلهم. وفي منشور منفصل نقلت المراسلة اعتقاد جنود بمقتل نحو 40 رضيعا وطفلا، ومع تداول الروايتين اندمجت في ادعاء واحد عن "قطع رؤوس 40 رضيعا" انتشر رغم غياب الأدلة.
وصل صدى الرواية إلى الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن، الذي تحدث يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول عن مشاهدة صور تؤكد قطع رؤوس أطفال، غير أن البيت الأبيض أوضح لاحقا أنه لم يشاهد تلك الصور ولم يتحقق من الادعاء بصورة مستقلة. شكل يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول نقطة تحول جذرية انهار خلالها الدور التقليدي للإعلام بوصفه "سلطة رابعة" ليتحول إلى أداة للتعبئة وناقل للروايات غير المدققة.
يكشف لايف بلوغ لصحيفة تايمز أوف إسرائيل التخبط في الإحصائيات حول الأسرى والقتلى الإسرائيليين. لم يكن هذا السقوط مجرد خطأ تحريري عابر، بل نتيجة لتضافر عوامل بنيوية ونفسية أدت إلى التخلي عن أبسط القواعد المهنية. غابت المسافة المهنية التي يجب أن تفصل الصحفي عن الحدث، وتحول المراسلون إلى مشاركين عاطفيين في المأساة، وتم التخلي عن الموضوعية لصالح الانخراط في حالة الحداد والذعر الجماعي.
في الساعات الـ24 الأولى غابت المؤسسات الرسمية والمتحدثون العسكريون تماما عن المشهد، وفتحت القنوات التلفزيونية هواءها بالكامل للمكالمات الهاتفية من المحاصرين دون فلترة. كما تداولت وسائل الإعلام الإسرائيلية شائعات وادعاءات دون أي تدقيق، معتمدة على الفيديوهات التي بثتها منصات فلسطينية شخصية لمؤثرين ينشرون مشاهد وصول الأسرى إلى غزة أو مشاهد اقتحام مدن غلاف القطاع.
بمجرد استيعاب المؤسسة العسكرية صدمة اليوم الأول، سلم الإعلام الإسرائيلي قيادته بالكامل للمتحدث باسم الجيش ومؤسسة الرقابة العسكرية. وتجلى السقوط المهني في القبول الأعمى للرواية الرسمية والتستر على الإخفاقات العملياتية، وممارسة رقابة ذاتية صارمة داخل غرف الأخبار لمنع نشر أي معلومات قد تضر بالروح المعنوية، وتأخرت التحقيقات الاستقصائية حول حوادث النيران الصديقة وتفعيل توجيه هانيبال لأشهر عديدة.
سعت منظمة زكا للإنقاذ لجمع أكبر قدر من التبرعات في الأيام الأولى للطوفان، ومنح الإعلام الإسرائيلي ثقة وحصانة مطلقتين لمصادر غير مؤهلة مثل متطوعي المنظمة، وتم بث قصصهم المروعة بوصفها حقائق قاطعة دون أدلة من الطب الشرعي. وقد اتضح لاحقا أن العديد من هذه الروايات كانت مبالغا فيها أو مختلقة.
تبنى الإعلام الإسرائيلي سياسة مقصودة لعزل المشاهد الإسرائيلي عن رؤية الصورة الكاملة لما يحدث في الأيام والأسابيع التي تلت 7 أكتوبر/تشرين الأول، واقتطع الحدث من سياقه التاريخي والسياسي. بالتوازي، مارست القنوات تعتيما شبه كامل على الصور ومقاطع الفيديو التي توثق الدمار والأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وتعرض مشاهد غزة حصرا من منظور عدسات الجيش الإسرائيلي.
تحول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري إلى ما يشبه رئيس التحرير الفعلي للقنوات التلفزيونية، وروج الإعلام بكثافة للادعاء العسكري بأن مجمع الشفاء الطبي هو المركز القيادي الرئيسي لحماس. ونشر دانيال هاغاري فيديو أنيميشن يصور شبكة ضخمة من الأنفاق، وتبنى الإعلام المقطع بوصفه حقيقة دامغة دون طرح أسئلة نقدية، ليتبين لاحقا التناقضات وتلاعب الجيش بمسرح الحدث أمام الصحفيين الأجانب مثل مراسلي بي بي سي وسي إن إن وفوكس نيوز، فضلا عن واشنطن بوست.
أثبتت تغطية أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول وما تلاها أن الإعلام الإسرائيلي فشل في الحفاظ على استقلاليته في أوقات الأزمات الكبرى، وتحولت المؤسسات الإعلامية إلى صدى للصدمة المجتمعية وجناح مدني للمؤسسة العسكرية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة