قطر
سياسة

تصاعد عنف المستوطنين وعجز الجيش في الضفة الغربية: أزمة غير مسبوقة في فرض القانون

الجزيرة١٣ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٨:٤٢ ص0 مشاهدة
تصاعد عنف المستوطنين وعجز الجيش في الضفة الغربية: أزمة غير مسبوقة في فرض القانون

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الجيش يغادر والمستوطنون يعودون.. من يفرض القانون في الضفة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تكشف سلسلة من الأحداث المتزامنة في الضفة الغربية المحتلة عن أزمة متصاعدة في فرض القانون، بعدما بات فلسطينيون يواجهون هجمات المستوطنين في ظل حضور عسكري إسرائيلي يبدو أحيانا عاجزا عن وقفها، أو مترددا في مواجهتها. ومن قرية قصرة إلى بلدة الطيبة المسيحية، تتكرر صورة واحدة: المستوطنون يهاجمون، والجيش يتدخل بصورة محدودة، ثم يغادر، ليعود المعتدون إلى مواقعهم.

وفقا لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" بقلم ديفيد هالبفينغر وفاطمة عبد الكريم وناتان أودنهايمر، تحولت معاناة عائلتين فلسطينيتين في قصرة (شمالي الضفة الغربية) إلى واحدة من أبرز الوقائع التي سلطت الضوء على هذه الأزمة. فقد حاصر أكثر من 10 مستوطنين عائلتي حسن وأبو ريدي داخل منزليهما، وأقاموا خيمة أمام أحد المنزلين، وواصلوا مهاجمتهما بالحجارة وأدوات أخرى، في وقت قالت فيه العائلات إن الاعتداءات بدأت منذ أشهر وتصاعدت بصورة خطيرة.

وأوضح التقرير أن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي اللواء آفي بلوت وصل إلى قصرة صباح الأربعاء، واستمع إلى شكاوى إحدى العائلات، بينما حاول الجنود تفريق المستوطنين بالغاز المسيل للدموع. لكن الجنود غادروا المكان بعد وقت قصير، لتُستأنف الهجمات. وقالت عائشة حسن، إحدى سكان المنطقة، إن ظهور الجيش منح العائلة أملا، لكن مغادرته جعلتها أكثر خوفا، لأنها أدركت أن الجنود لم يستطيعوا وقف المستوطنين. وفي المساء، أعلن الجيش الإسرائيلي إرسال كتيبة إضافية إلى الضفة الغربية بهدف تعزيز "النظام والسيطرة العملياتية"، لكن استمرار المستوطنين في المنطقة أظهر أن المشكلة أعمق من مجرد نقص في القوات.

واتهم سكان قصرة، كما أورد التقرير، المستوطنين بتحطيم النوافذ والأبواب، وقطع خطوط الخدمات، وتدمير ألواح الطاقة الشمسية، وسرقة الممتلكات، وإطلاق النار وإلقاء زجاجات حارقة. وفي إحدى الوقائع، منع المستوطنون سيارة إسعاف من الوصول إلى طفلة تبلغ عامين، قبل أن يتمكن جنود آخرون من تأمين وصولها إلى عيادة محلية.

وتتزامن هذه الحادثة مع تصاعد عام في عنف المستوطنين بالضفة. ووفقا لبيانات الأمم المتحدة الواردة في تقرير "نيويورك تايمز"، قتل المستوطنين 18 فلسطينيا حتى نهاية يوليو/تموز الماضي، وهو عدد يتجاوز ما سُجل طوال عام 2023. كما ظهرت تسجيلات على وسائل التواصل الاجتماعي لمستوطنين وهم يهاجمون بلدات فلسطينية ويحرقون مساجد.

وفي هذا السياق، وصف غادي شميني، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد والرئيس السابق للقيادة المركزية، الوضع بأنه "فشل ذريع"، قائلا إن إسرائيل تفقد السيطرة على الضفة الغربية. ويرى شميني أن منظومة التعاون السابقة بين الجيش والشرطة وأجهزة الأمن لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها، في ظل النفوذ السياسي المتزايد للتيار المؤيد للمستوطنين.

وتشير صحيفة "تلغراف" البريطانية إلى صورة أخرى للأزمة في بلدة الطيبة، قرب رام الله، وهي آخر بلدة مسيحية بالكامل في الضفة الغربية. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي المنطقة "منطقة عسكرية مغلقة" بعد أشهر من الهجمات التي اتهم سكان البلدة مستوطنين بشنها، بما في ذلك إحراق الممتلكات وترهيب السكان والدخول إلى الأراضي الخاصة والزراعية.

ويتضمن القرار منع الإسرائيليين والأجانب من دخول المنطقة، بينما لا يشمل الفلسطينيين المقيمين فيها. لكن هذا الإجراء أثار مخاوف من أن يؤدي عمليا إلى إبعاد الصحفيين والمراقبين الدوليين عن موقع الأحداث، خصوصا أن أوامر مماثلة استُخدمت في مناطق أخرى لمنع الوصول إلى مواقع تعرض فيها الفلسطينيون لهجمات من المستوطنين.

وقال الأب بشار فوايدة، كاهن كنيسة المسيح الفادي في الطيبة، إن القرار يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا طُبق بصورة حقيقية لمنع المستوطنين من دخول أراضي البلدة، لكنه شدد على أن المهم ليس الإعلان وإنما ما سيحدث على الأرض خلال الأسابيع المقبلة. وتكتسب قضية الطيبة أهمية خاصة بسبب مكانتها التاريخية والدينية؛ إذ تضم كنائس يعود بعضها إلى القرن الخامس، لكن رئيس بلديتها سليمان خوري حذر من أن تقييد دخول الزوار الأجانب سيزيد الصعوبات الاقتصادية التي تواجه البلدة.

وفي مقال بصحيفة "نيويورك تايمز"، يضع الكاتب نيكولاس كريستوف هذه الأحداث في سياق سياسي أوسع، معتبرا أن عنف المستوطنين بلغ مستويات قياسية، وأن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تتحمل مسؤولية كبيرة عن البيئة التي سمحت بتصاعده. ويرى كريستوف أن احتمال خسارة نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد يفتح الباب أمام تهدئة نسبية، خصوصا إذا تولى غادي آيزنكوت قيادة الحكومة.

وتكشف المواد الثلاث في مجملها عن مفارقة خطيرة: المشكلة لم تعد فقط في وقوع اعتداءات من جانب مستوطنين متطرفين، بل في قدرة الدولة على فرض القانون عليهم، مما يجعل الضفة الغربية أمام أزمة تتجاوز الصراع إلى أزمة في مفهوم سلطة القانون نفسه.

شارك الخبر: