كيف استطاعت كوريا الشمالية بناء ترسانتها النووية رغم الفقر والعزلة السياسية؟


هذا الخبر بعنوان "كيف صنعت كوريا الشمالية سلاحها النووي رغم الفقر والعزلة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ما الذي يدفع دولة فقيرة ومعزولة مثل كوريا الشمالية إلى إنفاق موارد هائلة على امتلاك السلاح النووي؟ وكيف تحولت القنبلة، التي كانت بدايات المشروع النووي مجرد فكرة بعيدة، إلى جوهر العقيدة الأمنية والهوية السياسية للدولة؟ القصة تعود إلى ما قبل قيام كوريا الشمالية نفسها، حين اكتشف اليابانيون خلال احتلال شبه الجزيرة الكورية وجود موارد من اليورانيوم وإمكانات مرتبطة بالصناعات النووية في الشمال، وأنشؤوا منشآت صناعية وعلمية يمكن أن تخدم هذا المجال.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانقسام شبه الجزيرة عند خط العرض 38، بدأ كيم إيل سونغ بناء دولة جديدة مدعومة من الاتحاد السوفياتي. وأدرك كيم مبكرا أهمية العلم فاستعان بعلماء كوريين، بينهم الفيزيائي دو سانغ روك، وسعى إلى تأسيس قاعدة علمية محلية، بالتوازي مع الاستفادة من الخبرات السوفياتية. وأرسل الاتحاد السوفياتي علماء ومهندسين إلى كوريا الشمالية، كما تلقى عدد من الباحثين الكوريين تدريبا في المؤسسات العلمية السوفياتية. لكن الحرب الكورية عام 1950 كانت نقطة التحول الأكبر، ومع تقدم القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة، درست واشنطن إمكانية استخدام السلاح النووي، وطرح الجنرال دوغلاس ماك آرثر خطة سرية لاستخدام عشرات القنابل الذرية، قبل أن يرفضها الرئيس هاري ترومان.
وبعد سنوات، استخدمت إدارة دوايت أيزنهاور التهديد النووي للضغط من أجل إنهاء الحرب، وبالنسبة لكيم إيل سونغ، كانت الرسالة واضحة بأن القوة النووية يمكن أن تكون ضمانة لبقاء النظام. وخلال القصف الأمريكي، أمر كيم باستمرار التعليم داخل الملاجئ والكهوف، فيما أصبح يعرف بـ"جامعة الجبال". وفي ظل نشر الولايات المتحدة أسلحة نووية تكتيكية في كوريا الجنوبية، ترسخ لدى بيونغ يانغ الاعتقاد بأن امتلاك قدرة نووية قد يكون مسألة حياة أو موت.
وبدأ التعاون النووي الرسمي مع موسكو عام 1956، ثم استفاد كيم من الخلاف الصيني السوفياتي للحصول على مزيد من الدعم. وبمساعدة سوفياتية، أنشئ مفاعل بحثي قرب يونغبيون بقدرة أولية بلغت 2 ميغاواط، قبل أن تتطور القدرات تدريجيا ولم يكن الهدف المعلن في البداية تصنيع القنبلة. فقد تحدثت بيونغ يانغ عن الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ووقعت اتفاقات دولية في هذا الإطار، بل دعمت فكرة شبه جزيرة كورية خالية من السلاح النووي. لكن خلف الخطاب الرسمي، كان البرنامج يتقدم مع توسع متدرج للمنشآت النووية في يونغبيون وصولا إلى مفاعل بقدرة 5 ميغاواط قادر على إنتاج البلوتونيوم.
وأواخر ثمانينيات القرن الماضي بدأت كوريا الشمالية بناء منشآت أكبر، مما أثار مخاوف متزايدة بشأن حجم طموحها النووي، وبلغت الأزمة ذروتها عام 1994 عندما سحبت بيونغ يانغ وقودا نوويا من مفاعل يونغبيون دون رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهددت إدارة بيل كلينتون بضرب المنشآت النووية، قبل أن يتدخل الرئيس الأسبق جيمي كارتر في محاولة نجحت في نزع فتيل المواجهة. وبعد وفاة كيم إيل سونغ، واصل نجله كيم جونغ إيل سياسة أكثر مرونة في التفاوض، وأبرمت كوريا الشمالية والولايات المتحدة "الإطار المتفق عليه" عام 1994.
ولم يستمر التقارب طويلا، فمع وصول جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض، دخلت العلاقات مرحلة جديدة، وفي يناير/كانون الثاني 2002 وضع بوش كوريا الشمالية ضمن ما سماه "محور الشر"، ثم تصاعدت الاتهامات بشأن برنامج تخصيب اليورانيوم. وفي يناير/كانون الثاني 2003 انسحبت بيونغ يانغ من معاهدة عدم الانتشار النووي، وبعد عامين أعلنت كوريا الشمالية امتلاكها أسلحة نووية، وعام 2006 أجرت أول تجربة نووية تحت الأرض.
ومنذ ذلك الحين لم تعد القنبلة مجرد ورقة تفاوضية بل أصبحت جزءا من هوية الدولة وسيفا ثمينا، وتقول الرواية إن بيونغ يانغ خلصت من تجارب العراق وأوكرانيا إلى أن التخلي عن السلاح النووي قد يعرض النظام للخطر، وأن امتلاك الردع النووي هو الضمان الأهم لبقائه، مما جعل نزع السلاح النووي من أصعب الملفات وأكثرها تعقيدا في العالم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة