الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق: نهاية مهمة أم تحول في طبيعة النفوذ؟


هذا الخبر بعنوان "انسحاب القوات الأمريكية من العراق.. هل تنتهي المهمة أم يتغير الدور؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقترب العراق من محطة مفصلية في علاقته مع الولايات المتحدة، مع تأكيد المستشار الأمني للحكومة العراقية قاسم الأعرجي أن قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن ستغادر البلاد بحلول نهاية سبتمبر/أيلول الجاري، وفقا للاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن عام 2024.
لكن الانسحاب المرتقب لا يبدو مجرد نهاية لوجود عسكري أجنبي، بل اختبارا لقدرة بغداد على إدارة توازنات أمنية وسياسية شديدة التعقيد. وبحسب قاسم الأعرجي، فإن الانسحاب سيشمل أيضا منظومات الدفاع الجوي الموجودة في أربيل، والتي ساهمت، وفق قوله، في التصدي لهجمات إيرانية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على مواقع في إقليم كردستان.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد إياد العنبر أن الانسحاب بات أقرب إلى التنفيذ، لكنه يلفت إلى أن جوهر المسألة لا يتعلق بقوات التحالف بقدر ما يتعلق بمستقبل الوجود العسكري الأمريكي، معتبرا أن واشنطن تتجه إلى استبدال الحضور العسكري بنفوذ سياسي واقتصادي أكبر.
في المقابل، يؤكد الدبلوماسي الأمريكي السابق مارلين هاردينجر أن انتهاء الالتزام العسكري لا يعني نهاية الدور الأمريكي في العراق، مشيرا إلى استمرار جهود مكافحة الإرهاب والعمل الاستخباري، إلى جانب التركيز على التعاون الاقتصادى وتطوير حقول النفط والتعامل مع بعض الفصائل المسلحة.
فراغ أمني محتمل
التحدي الأكثر إلحاحا يتعلق بما سيتركه الانسحاب وراءه في المجال الأمني. ويرى أستاذ العلاقات الدولية حسن البراري أن إنهاء مهمة التحالف لا يعني بالضرورة إنهاء الدور الأمني الأمريكي، إذ يمكن أن يستمر التنسيق والدعم العسكري. لكنه يحذر من أن العراق لا يبدو، في الوضع الراهن، قادرا بمفرده على حماية أجوائه في حال تعرض إقليم كردستان لهجمات بالصواريخ أو المسيرات الإيرانية.
وهنا تبرز مخاوف من نشوء فجوة أمنية، خصوصا إذا غابت منظومات باتريوت والصواريخ الاعتراضية الأمريكية من دون توفير بديل عراقي قادر على سدها. ويرى حسن البراري أن معالجة هذه الفجوة تحتاج إلى تفاهمات أوسع، ليس فقط مع واشنطن، وإنما أيضا مع طهران.
ضبط الفصائل المسلحة
وفي الداخل العراقي، يرتبط نجاح الانسحاب بملف أكثر تعقيدا: حصر السلاح بيد الدولة. ويشير إياد العنبر إلى أن الحكومة تواجه تحديا في الحفاظ على تعهداتها، في ظل مواقف قوى وفصائل مسلحة لا تزال متمسكة بسلاحها، بينما تحولت بعض الخطابات السياسية من الحديث عن "حصر السلاح" إلى "تنظيمه".
أما واشنطن، فتبدو معنية بقدرة الحكومة العراقية على ضبط الفصائل المسلحة، مع تركيز إدارة ترامب في الوقت نفسه على البعد الاقتصادي لتعزيز موقف رئيس الوزراء العراقي داخليا، بحسب مارلين هاردينجر. ويضع هذا بغداد أمام معادلة دقيقة: الرغبة في استعادة القرار الأمني والسيادي من جهة، والحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا من جهة أخرى.
فالانسحاب الأمريكي قد يمنح الحكومة فرصة لتأكيد استقلال القرار العراقي، لكنه قد يتحول، إذا لم ترافقه ترتيبات أمنية وسياسية واضحة، إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار. ويحذر حسن البراري من أن فشل الحكومة في حصر السلاح والحفاظ على توازناتها قد يؤدي إلى فراغ أمني تستفيد منه تنظيمات مثل داعش، أو يحول العراق مجددا إلى ساحة صراع إقليمي بدلا من أن يصبح أكثر قدرة على ممارسة سيادته.
وبذلك، فإن موعد انسحاب التحالف في 30 سبتمبر/أيلول لا يمثل نهاية القصة، بل بداية اختبار أصعب: هل يستطيع العراق أن يحول الانسحاب العسكري الأمريكي إلى خطوة نحو استعادة السيادة، أم أن غياب القوات الأجنبية سيكشف فراغات أمنية وسياسية قد تتنافس واشنطن وطهران وقوى داخلية وإقليمية على ملئها؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة