مخططات الحسم والاستيطان: الضفة الغربية في مواجهة معركة وجودية غير مسبوقة


هذا الخبر بعنوان "الضفة الغربية في مواجهة معركة وجودية" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشييع الشهيد خليل أبو عليا الذي قتله مستوطنون في قريته بالضفة الغربية وسط تصاعد اعتداءاتهم (رويترز)
ليست الأوضاع المشتعلة في الضفة الغربية هذه الأيام، من تصاعد اعتداءات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين، ومصادرة أراضيهم وتدمير بيوتهم وحرق محاصيلهم، ولا حملات الجيش العسكرية المدمرة وقمع المواطنين، مجرد مسلكيات ذاتية؛ وإنما هي حالة منهجية من التكامل الوظيفي بين الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين. وهي حالة تتم بتنسيق لا يأخذ شكلا رسميا معلنا حتى تتنصل الحكومة من المسؤولية القانونية، ولكنه يأخذ شكلا فعالا للتمكين للمشروع الصهيوني. إنها ليست مجرد مبادرات استيطانية يقوم عليها متحمسون أو متعصبون، ولا أوامر عسكرية يجتهد فيها ضباط ميدانيون؛ وإنما هي منظومة دولة يتكامل فيها الفعل الرسمي وغير الرسمي وصولا إلى تحقيق الضم العملي للأرض، بانتظار الوقت مناسب لتحويله إلى ضم رسمي.
تتلخص محاور خطة الحسم في فكرة أرض إسرائيل الكاملة، وتحقيق حسم استيطاني ينشئ واقعا يهوديا مسيطرا بين النهر والبحر ينهي وهم الدولة الفلسطينية، ويؤمن بالعنف والقوة المفرطة كوسيلة للتعامل مع الفلسطينيين، وينكر وجود الشعب الفلسطيني، كما يرفض وجود كيان فلسطيني. منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في نهاية عام 2022، تحولت الضفة الغربية إلى ورشة عمل تستنفر فيها كافة الإمكانات الإسرائيلية لحسم مصيرها، وفرض الرؤية الصهيونية الدينية والقومية المتطرفة، ومحاولة إنهاء أي حلم فلسطيني أو عربي أو دولي بحل الدولتين.
وجد سموتريتش الذي نشر رؤيته عام 2017 لحل الصراع مع الفلسطينيين تحت عنوان خطة الحسم، والتي اعتمدها حزب الصهيونية الدينية الذي يراَسه بعد انتخابات الكنيست عام 2022، فرصته التاريخية لإنزال رؤيته على الأرض من خلال التحالف مع الليكود بزعامة نتنياهو. ومع توليه وزارة المالية، تولى أيضا منصب وزير في وزارة الجيش ليأخذ صلاحية الإشراف المباشر على إدارة الضفة الغربية، وإدارة الاستيطان باعتباره ملفا يتبع أساسا المؤسسة العسكرية.
أما شريكه في الصهيونية الدينية بن غفير فقد تولى وزارة الأمن القومي التي تشرف على الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود والسجون بما في ذلك الضفة الغربية وشرقي القدس، ليتكامل مع سموتريتش في تحقيق قفزات هائلة في تهويد الأرض والمقدسات وإنفاذ مشروع الحسم. ولم تكن لدى نتنياهو والليكود مشكلة في إطلاق يدي سموتريتش وبن غفير وتوفير الغطاء والشرعنة لسلوكهما، فهو يحمل التطلعات نفسها، وإن بأساليب مختلفة.
الإستراتيجية الإسرائيلية في الضفة
تتلخص إستراتيجية الحكومة الإسرائيلية لحسم الصراع في الضفة الغربية في سبع نقاط:
أولا: التوسع الاستيطاني الفعال، وتغيير الجغرافية السكانية للضفة الغربية
يمكن أن ندرك الفارق الهائل في التسارع عندما نعلم أن الحكومات الإسرائيلية مجتمعة منذ اتفاقات أوسلو عام 1993 وعلى مدى ثلاثة عقود حتى نهاية عام 2022 أقرت 6 مستعمرات جديدة في الضفة، بينما أقرت الحكومة الحالية وخلال ثلاث سنوات ونصف ما مجموعه 104 مستوطنات جديدة منها 51 مستوطنة جديدة بالكامل و35 بؤرة استيطانية غير مرخصة جرى تحويلها لمستوطنات مستقلة، و17 حيا تابعا لمستوطنات قائمة تحولت إلى مستوطنات مستقلة، مع قرار إضافي في الشهر نفسه بمستوطنة جديدة.
يسيطر الاحتلال على 85% من مصادر المياه في الضفة، وتقوم مئات الحواجز الإسرائيلية على الطرق بتقطيع أوصال الضفة، كما أن الجدار العنصري الذي بناه يعزل نحو 12% من مساحة الضفة، ويحيط تماما بشرقي القدس ويجعل التواصل مع الضفة أقرب إلى الخطوط الدولية. أما البؤر الاستيطانية الجديدة فبلغت 212 بؤرة استيطانية منذ بداية الحكومة الحالية وحتى نهاية أبريل/نيسان 2026 انضمت إلى 151 بؤرة كانت قائمة قبل ذلك، وبمعدل سنوي يبلغ نحو 64 بؤرة، بينما كان المعدل السنوي في الفترة 1996 و2022 أقل من 7 بؤر سنويا.
ثانيا: المضي في ترتيبات الضم العملي والمؤسسي
سعى سموتريتش منذ دخوله الحكومة إلى نقل ملف الاستيطان في الضفة من كونه ملفا تديره المؤسسة العسكرية أساسا إلى منظومة مدنية سياسية خاضعة لنفوذه. وفي يونيو/حزيران 2024 أعلن عن خطوات لنقل إدارة شؤون المستوطنات إلى مسؤولين مدنيين تابعين له، كما أخذت الشرطة الإسرائيلية تحل تدريجيا مكان الجيش في التعامل الأمني مع الأوضاع في الضفة. وطور بن غفير ما يعرف بفرق الاستجابة السريعة ليبلغ عديدها 13 ألفا و400 شخص.
ثالثا: عنف المستوطنين
تحت الحكومة الإسرائيلية الحالية تضاعف عنف المستوطنين بطريقة غير مسبوقة ضد المدنيين الفلسطينيين، وشمل عمليات القتل والطعن والضرب، والاعتداء على الأطفال، وحرق الممتلكات والمركبات والأراضي الزراعية والمساجد. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، فقد نفذ المستوطنون 1828 هجوما عام 2025 استهدف 280 تجمعا فلسطينيا، مقارنة بـ 1420 هجوما عام 2024، و1189 هجوما في عام 2023.
رابعا: الأقصى والقدس
تقع شرقي القدس في بؤرة الاستهداف الصهيوني، ويأخذ حسم السيطرة على الأقصى والقدس دورا مركزيا ونمطا متسارعا. وفرض الاحتلال حالة من التقاسم الزماني والمكاني للأقصى، وتصاعدت عمليات اقتحام المستوطنين للأقصى حيث زاد عددهم على 73 ألفا عام 2025، وتم تكثيف الاستيطان داخل الأحياء الفلسطينية في سلوان والشيخ جراح والبلدة القديمة ورأس العامود.
خامسا: إضعاف السلطة الفلسطينية وتفكيكها
بالرغم من الدور الوظيفي الذي تقوم به السلطة على مدى أكثر من 30 عاما، فإن الصهيونية الدينية واليمين القومي يريان أنهما تجاوزا مرحلة أوسلو. وثمة طرح ذكره سموتريتش في سبتمبر/أيلول 2025 يقضي بتفكيك السلطة من خلال ضم 82% من الضفة، وتحتجز السلطات الإسرائيلية إيرادات السلطة من أموال المقاصة وسط مساعٍ لإسقاطها أو انهيارها.
سادسا: السعي لسحق المقاومة وتفكيك بناها التنظيمية
أخذ هذا الهدف أبعاداً أكثر عنفا وتدميرا في حملات الجيش خصوصا على مخيمات شمال الضفة منذ يناير/كانون الثاني 2025، حيث دمر بشكل منهجي نحو نصف مباني مخيمي جنين ونور شمس، ونحو 36% من مباني مخيم طولكرم، وأدت العمليات إلى تهجير نحو 40 ألف فلسطيني.
سابعا: التهجير
هذا جزء أصيل من طبيعة المشروع الصهيوني، وتسعى الحكومة الحالية لتحقيقه عبر عنف المستوطنين، وهدم المباني، ومصادرة الأراضي، والتضييق الاقتصادي والمعيشي لإيجاد بيئات طاردة تؤدي إلى نزيف مستمر.
اللعب بالنار
أثارت السياسات الإسرائيلية، وخصوصا إرهاب المستوطنين، مخاوف عربية ودولية من انهيار الأوضاع في الضفة الغربية، وفي 26 يوليو/تموز 2026 وجه نحو 600 من كبار المسؤولين الإسرائيليين السابقين رسالة إلى الرئيس الأمريكي ترمب طالبوه فيها بالتدخل لوقف إرهاب المستوطنين وتحذيرا من كارثة وشيكة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة