قطر
سياسة

كشف الأرشيف النازي في ألمانيا: ملفات سرية تفضح الماضي السياسي لنخبة برلين بعد الحرب

الجزيرة٢٤ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٧ ص0 مشاهدة
كشف الأرشيف النازي في ألمانيا: ملفات سرية تفضح الماضي السياسي لنخبة برلين بعد الحرب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مستشار ورؤساء و17 وزيرا.. الماضي النازي للنخبة السياسية الألمانية بعد الحرب" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تسعى ألمانيا باستمرار منذ إفراج الأرشيف الوطني الأمريكي في مارس/آذار الماضي عن 10 ملايين بطاقة عضوية بالحزب النازي الألماني (NSDAP) لنبش ماضيها القديم. وقد سجل الموقع الإلكتروني ملايين الزيارات بعد نشر هذه الوثائق الضخمة، حيث حفزت المواطنين للبحث عن ماضي أقاربهم ومقارنة الاكتشافات الجديدة بالروايات الشفهية المتناقلة عن الآباء والأجداد.

كانت الصحيفة الألمانية الأسبوعية "دي تسايت" سبّاقة في تمكين القراء من التعرف على الماضي النازي لأجدادهم، إذ وفرت أولا 4.5 ملايين بطاقة ثم 8.2 ملايين بطاقة أخرى، مما أتاح للمهتمين الوصول إلى 90% من بطاقات العضوية بالحزب النازي. وبإمكان أي شخص إدخال الاسم مع تاريخ ومكان الميلاد للتأكد من وجود بطاقة عضوية أصلية تحوي الاسم ورقم العضوية، أو معرفة براءة قريبه من هذه التهم.

وفي السياق ذاته، قام محررو المجلة الألمانية الأسبوعية "دير شبيغل" بالنبش في تاريخ النخبة السياسية التي أدارت شؤون الدولة الألمانية الفتية بعد الحرب. وأظهر تحقيق استقصائي نفذته المجلة ذات التوجه اليساري الليبرالي أن الولايات المتحدة احتفظت لعقود في مركز برلين للوثائق بملفات حساسة لأعضاء سابقين بالحزب النازي، شملت مستشارا اتحاديا واحدا، ورئيسين اتحاديين، ورئيسين للبرلمان (بوندستاغ)، و17 وزيرا، إضافة إلى قضاة ومدعين عامين ومسؤولين آخرين.

ومن أبرز الأسماء الواردة في تقرير "دير شبيغل": كورت غيورغ كيزينغر الذي أصبح مستشارا لألمانيا الاتحادية (1966-1969)، وكارل كارستنز وفالتر شيل اللذان توليا رئاسة ألمانيا الاتحادية، وريشارد شتوكلن رئيس البرلمان (بوندستاغ)، فضلا عن هانس ديتريش غينشر الذي شغل منصبي وزير الداخلية والخارجية، وألفريد دريغر، وأوسكار شنايدر، وفريدريش تسيمرمان. كما شملت القائمة أسماء مثل إيرهارد إبلر من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وفالتر بيشر من الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، وهيلغا فيكس وليزلوته برغر من الحزب المسيحي الديمقراطي، مع الإشارة إلى أن ما لا يقل عن 57 نيابا في البرلمان (بوندستاغ) عام 1976 كانوا أعضاء سابقين في الحزب النازي.

خشيت السلطات الأمريكية أن يؤدي الكشف عن هذه الملفات لخدش صورة الجمهورية الألمانية حديثة التأسيس، وظلت المفاوضات بشأن تسليم المركز متعثرة منذ ستينيات القرن الماضي بسبب الخلافات حول السرية وحقوق الوصول والملاحقة القضائية، إلى أن سُلم المركز رسميا للدولة الألمانية في عام 1994 مع احتفاظ الأمريكيين بنسخ مصورة. ومع رقمنة هذه النسخ، أمكن التعرف على أكثر من 70 شخصية بارزة، مع التأكيد على أن مجرد العضوية لا تعني بالضرورة أن الشخص كان مجرما نازيا أو مؤيدا عن قناعة، ففكر النازية يختلف عن مجرد وجود الاسم على بطاقة العضوية.

تعود قصة هذا الأرشيف إلى ما قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، حين نقلت قوات من "وحدات الحماية" (إس إس) أطنان الوثائق على متن شاحنات من مقر الحزب النازي في ميونخ إلى مصنع لتدوير الورق بغرض إتلافها، لكن صاحب المصنع تجاهل الأوامر وسلم الملفات للجيش الأمريكي الذي اعتبرها غنيمة حرب. وبعد تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1949، تراجع الاهتمام الأمريكي بهذه الملفات، وأراد الرئيس الأمريكي ليندون جونسون التخلص من التكاليف مانحا السفارة الأمريكية في بون 6 أسابيع للاتفاق مع الألمان بشرط الاحتفاظ بحق الوصول غير المحدود وتصوير الوثائق أولا، وهي المفاوضات التي فشلت لاحقا.

بدأت السفارة الأمريكية بتبطيء عملية التسليم معتبرة الأمر غير مستعجل، وطلبت من حكومة المستشار الاشتراكي الديمقراطي فيلي برانت تقديم مقترح جديد. ويجدر الإشارة إلى أن برانت كان قد فرّ من ألمانيا عام 1933 إلى منفاه الإسكندنافي (النرويج ولاحقا السويد) هربا من النازيين، ولم يكن معنيا بفتح جبهة جديدة حول الماضي النازي. في تلك الفترة، كان نحو نصف موظفي وزارة الداخلية الألمانية مدرجين في سجلات الحزب النازي، وكان وزير الداخلية هانس ديتريش غينشر ووكلاؤه يخشون أن يؤدي الكشف عن ماضيهم إلى الإضرار بمستقبلهم السياسي.

توقفت المفاوضات عام 1973، ثم تجددت عام 1978 بدفع من المستشار هلموت شميت ووزير الخارجية هانس ديتريش غينشر، واصطدمت بمعارضة فرنسية وسوفياتية لاحقا، بالإضافة إلى رفض بسبب معارضة المنظمات اليهودية بحسب ما كشفه السفير الألماني في واشنطن غونتر فان فيل عام 1985. وعقب سقوط جدار برلين، تجددت المطالب الألمانية لتبلغ ذروتها في عام 1993 بتوقيع اتفاق نهائي تسلمت بموجبه ألمانيا الوثائق في الأول من يوليو/تموز 1994، حيث التقى المستشار هيلموت كول برئيس المؤتمر اليهودي العالمي إسرائيل سينغر مؤكدا ضمان وصول الباحثين للوثائق وعدم إتلافها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1998، غادر آخر نواب كانت لهم عضوية سابقة في الحزب النازي البرلمان (بوندستاغ)، وعلى رأسهم وزير الخارجية المعمر هانس ديتريش غينشر الذي ادعى إدراجه دون علمه، وهي حجة استخدمها سياسيون بارزون آخرون للدفاع عن أنفسهم. ويمثل تحول هذه الوثائق من السرية إلى العلن خطوة مفصلية نحو مواجهة ألمانيا لماضيها المعقد وفهم العلاقة بين إرث النظام النازي وبناء الجمهورية الحديثة.

شارك الخبر: