مدرعة باكستانية في الخرطوم: هل تحول الحرب السودانية إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية؟


هذا الخبر بعنوان "هل تفتح مدرعة باكستانية الباب أمام صراع إقليمي في السودان؟" نشر أولاً على موقع العربي الجديد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد صورة مدرعة باكستانية في أحد شوارع الخرطوم مجرد لقطة عابرة في تفاصيل الحرب السودانية المستمرة. فظهور مركبات 'محافظ' في العاصمة السودانية، ضمن أطر التعاون العسكري بين باكستان والقوات المسلحة السودانية، يطرح تساؤلات عميقة تتجاوز مجرد نوع السلاح أو عدده، لتصل إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي تمر بها المعارك، وما إذا كان تدفق السلاح الجديد لأحد طرفي الصراع قادراً على قلب موازين القوة أو جذب أطراف إقليمية ودولية جديدة إلى ساحة المواجهة.
وكانت وسائل إعلام سودانية وهندية قد رصدت مؤخراً مركبة مصفحة خلال عرض عسكري في شوارع الخرطوم، مبينة أنها تعود لطراز 'محافظ' الذي تنتجه شركة 'هيفي إندستريز تاكسيلا' الباكستانية. وتُعد هذه المركبات مصممة لتغطية الاحتياجات الأمنية والعسكرية وتوفير حماية ضد نيران الأسلحة الخفيفة. ورغم أن المدرعة وحدها لا تمتلك القدرة على تغيير مسار حرب بهذا الحجم، إلا أنها تفتح نافذة جديدة في سوق السلاح السوداني وتكشف عن شبكة واسعة من التحالفات والمصالح المرتبطة بالنزاع.
وتشير التقارير إلى وجود تعاون عسكري متنامٍ بين إسلام آباد والجيش السوداني، بما في ذلك صفقة محتملة قُدرت بمليار ونصف المليار دولار شملت طائرات ومسيّرات وأنظمة دفاع جوي قبل أن تُعلق لاحقاً. ومع تباين مصير هذه الصفقات، يعكس هذا المسار تحول السودان في نظر بعض الدول إلى سوق رائج للسلاح. ولم تقتصر القصة على باكستان وحدها، فقد شهدت الحرب السودانية تدخلاً خارجياً ملحوظاً منذ انطلاقها، تضمن تقارير عن أدوار روسية وأوكرانية وشبكات إمداد متعددة، فضلاً عن اهتمام إقليمي واسع بموقع السودان على البحر الأحمر وثراته من الذهب والموارد الطبيعية وموقعه الاستراتيجي بين أفريقيا والعالم العربي.
من هنا يبرز السؤال الملح حول احتمالية تحول الوجود الباكستاني إلى مدخل لتنافس هندي باكستاني داخل السودان. وعلى الرغم من عدم كفاية المعطيات الحالية للقول إن الخرطوم قد تحولت إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الهند وباكستان، إلا أن توسيع نطاق التعاون العسكري الباكستاني مع الجيش السوداني يضيف أبعاداً جديدة لحسابات القوى الآسيوية في منطقة شديدة الحساسية تتقاطع فيها طرق التجارة والمحيط الهندي والبحر الأحمر.
وبذلك يجد السودان نفسه محاصراً بشبكة معقدة من الصراعات المتقاطعة؛ تنافس روسي غربي، حسابات خليجية، مصالح تركية ومصرية وإيرانية، إضافة إلى التنافس على الموانئ والذهب، وصولاً إلى الحسابات الآسيوية المستجدة. وتتحول الحرب الدائرة تدريجياً، عبر السلاح والدعم المالي وشبكات الوسطاء، إلى منصة لتصفية حسابات الخارج على حساب المواطن السوداني الذي يتحمل وحده تبعات الدمار والنزوح والمعاناة الإنسانية.
ولا يمكن اختزال الأزمة في شعارات ضيقة أو حصرها في الصراع بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل هي أزمة دولة بامتياز خلّفها إرث نظام عمر البشير ومؤسساته الضعيفة والمتداخلة، بما فيها قوات الدعم السريع التي قادها محمد حمدان دقلو (حميدتي) وتطورت عن مجموعات الجنجويد في دارفور. ومع فشل المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط حكومة البشير عام 2019 في حل معضلة تعدد السلاح والخلاف حول دمج قوات الدعم السريع، اندلعت حرب أبريل/نيسان 2023 لتؤكد أن ما يجري هو صراع على مستقبل الدولة بأكملها.
وفي ظل اتساع رقعة الحرب لتشمل الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة، وتنامي شبكات التهريب والتمويل الخارجي، يواجه السودان خطر التحول إلى حرب بالوكالة مفتوحة. ويبقى الأمل مرجواً في وعي السودانيين بأن وطنهم ليس لعبة شطرنج أو ساحة تصفية حسابات، بل يحتاج إلى جيش وطني واحد، وسلطة مدنية، وعدالة انتقالية تفوق لغة السلاح والدمار.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة