ما وراء هتلر وستالينغراد.. برنامج الدحيح يسلط الضوء على الرواية الآسيوية للحرب العالمية


هذا الخبر بعنوان "أبعد من هتلر وستالينغراد.. "الدحيح" يعرض الرواية الآسيوية للحرب العالمية" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستعرض برنامج "الدحيح" الرواية الآسيوية للحرب العالمية الثانية، مبينا أن صراعات الشرق والحروب اليابانية الصينية وعقيدة الساموراي كانت الأكثر دموية وتأثيرا، قبل انتقال الحريق إلى دول العالم وقصف طوكيو بالنووي.
في كل مرة تُروى فيها أحداث الحرب العالمية الثانية، تتصدر المشهد صورة الجيوش النازية بقيادة أدولف هتلر وهي تجتاح بولندا عام 1939، لكنّ برنامج "الدحيح" يزيح الستار عن زاوية مختلفة تماما، تعيد تأصيل الصراع انطلاقا من الشرق الأقصى قبل غزو أوروبا بسنتين.
وتأخذ الحلقة المشاهدين في رحلة لاستكشاف ما يسميه المؤرخون "أول شرارة" للحرب، والتي انطلقت من حادثة جسر "ماركو بولو" في الصين عام 1937، بسبب تفصيل بسيط وغريب تمثل في غياب جندي ياباني عن كتيبته لقضاء حاجته.
أثار غياب الجندي توترا عسكريا هائلا؛ إذ افترضت القيادة اليابانية اختطافه من قبل الصينيين، وهو ما أشعل مواجهة مسلحة تحولت سريعا إلى حرب شاملة، وبدلا من كونه مجرد غياب عابر، أدرك الجندي شيمورا لاحقا أن تأخره تسبب في زج العالم بواحدة من كبرى كوارث التاريخ.
ويكشف مقدم البرنامج أحمد الغندور بلغة الأرقام أن "الجبهة الصينية" كانت مسرحا لمآسٍ تفوق نظيرتها الأوروبية بكثير؛ إذ خسرت الصين 7 ملايين إنسان خلال عامين فقط، وهو رقم مهول يكاد يغيب عن السرديات التقليدية التي تركز بشدة على معارك الجبهة الغربية ونجاحات الجيوش الأوروبية.
ثم يقارن البرنامج بين شهرة معركة "ستالينغراد" الروسية ومعركة "شنغهاي" التي يصفها المؤرخون بأنها "ستالينغراد على نهر يانغتسي"، موضحا أن غلبة المنظور الأوروبي الذي رسخته هوليود جعلت معارك جوزيف ستالين وجبهات هتلر تتصدر الذاكرة، رغم أن 3 أرباع الجيش الياباني كانت غارقة بالمستنقع الصيني.
ويستفيض الغندور في شرح سلوك الجندي الياباني الذي يتطلب العودة لعام 1905، حين هزمت اليابان الإمبراطورية الروسية، مما ولد شعورا بـ"الأنا اليابانية" الطامحة للهيمنة، ودفع شعوبا للاحتفاء بهذا الانتصار بوصفه فوزا لشرق واعد على استعلاء القوى الغربية التقليدية التي احتكرت السيادة العالمية.
ثم نمت هذه الطموحات بشكل أكبر بعد الحرب العالمية الأولى، لكنّ اليابان شعرت بإهانة دبلوماسية في "معاهدة فرساي" لرفض بنود المساواة العرقية، ومع وقوع الكساد الكبير، تصاعدت التيارات الفاشية داخل الجيش التي رأت في الإمبراطور إلها، وصورت الرجل الأبيض الغربي بمثابة الشيطان الذي يسحق أحلام النهضة.
وبحلول عام 1931، افتعل ضباط يابانيون حادثة لتبرير احتلال إقليم منشوريا الصيني، متحدِّين حكومتهم المدنية وعصبة الأمم، وأدى هذا التوسع العسكري لانسحاب طوكيو من النظام الدولي، مما دفع الولايات المتحدة لاستخدام سلاح العقوبات، وهو الأمر الذي وضع اليابان أمام خيارات صعبة للنجاة بين الركوع أو الانتحار.
ثم أحكمت واشنطن الحصار النفطي عام 1941، مما شل حركة الاقتصاد الياباني وجعل الصدام حتميا لتأمين موارد بديلة، وهنا قرر القادة العسكريون توجيه ضربة استباقية للأسطول الأمريكي في "بيرل هاربر"، في محاولة للسيطرة على جنوب شرق آسيا الغني بالنفط، مدفوعين بعقيدة قتالية لا تعترف بالمستحيل المادي.
ولئن نجح الهجوم تكتيكيا بدحر البوارج الأمريكية، فإنه أغفل تدمير حاملات الطائرات الإستراتيجية، وسرعان ما استعادت أمريكا المبادرة بشن غارة "دوليتل" على طوكيو، ورغم صغر أثرها العسكري، فإنها زلزلت النفسية اليابانية، بعدما تبين للأهالي أن أرض "الإمبراطور الإله" لم تعد محصنة ضد القذائف والنيران التي تسقط من السماء.
ومن هنا، دخلت اليابان مرحلة الدفاع المستميت، وبرزت عقيدة "بوشيدو" التي تجعل الشرف أغلى من الحياة؛ فصار الاستسلام عارا أبديا، وظهر انتحاريو "الكاميكازي" كدليل على التفاني المطلق، حيث آمن الطيارون بأن الموت في سبيل الإمبراطور أفضل بكثير من العيش في هزيمة، مما زاد من دموية وصعوبة التقدم الأمريكي الميداني.
وتطرق البرنامج للبشاعة الإنسانية المروعة التي خلفتها هذه العقيدة المتشددة، مسلطا الضوء على مجازر "نانجينغ" وتجارب "الوحدة 731" التي أجرى خلالها الجيش الياباني تجارب كيميائية وبيولوجية على المدنيين، وأثبتت هذه الجرائم أن الوحشية تولد أحيانا من رحم شعور مزيف بالاستعلاء العرقي.
وحين وصلت اليابان للنهاية عام 1945 تحت وطأة قنابل النابالم والأسلحة النووية، اضطر الإمبراطور هيروهيتو للخروج لأول مرة في خطاب إذاعي مطالبا شعبه بترك السلاح، وكانت تلك اللحظة هي الانهيار الحقيقي لمعتقدات شعب اعتبر حاكمه إلها لسنوات طويلة، لتتحطم صورة القوة المقدسة تحت ضربات الواقع العسكري والاقتصادي المؤلم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة