قطر
اقتصاد

استنزاف احتياطيات النفط: هل أصبح شبحاً أكبر من تقلبات الأسعار؟

الجزيرة٨ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٤٧ م0 مشاهدة
استنزاف احتياطيات النفط: هل أصبح شبحاً أكبر من تقلبات الأسعار؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل أصبح استنزاف احتياطات النفط أخطر من التهاب أسعار الخام؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتفاقم أزمة الطاقة العالمية لتشمل ضغوطاً تتجاوز مجرد ارتفاع أسعار النفط والغاز، حيث امتدت إلى تراجع المخزونات التي تعتمد عليها الدول لمواجهة اضطرابات الإمدادات. وتتزامن هذه الأزمة مع زيادة تكاليف الشحن والتأمين وصعوبة نقل الوقود من مناطق الإنتاج إلى الأسواق المستهلكة.

حذر الرئيس التنفيذي لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، سلطان الجابر، خلال مؤتمر "أديبك 2026"، من سحب نحو مليار برميل من المخزونات النفطية العالمية منذ اندلاع الحرب على إيران واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز. وأشار إلى أن مخزونات الديزل في بعض الأسواق هبطت إلى أدنى مستوياتها الموسمية منذ 35 عاماً، بينما بلغت فجوة إمدادات الغاز الطبيعي المسال في أسواق أخرى نحو 600 مليار قدم مكعبة.

وأوضح الجابر أن حصة تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية ارتفعت من أقل من 5% إلى أكثر من 30% من تكلفة البرميل. وفي هذا السياق، جرى تداول خام برنت قرب 110 دولارات للبرميل مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بارتفاع يقارب 50% عن مستوياته قبل الحرب في فبراير/شباط الماضي، وفق وكالة رويترز.

من جانبه، قال رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب المصري ووزير البترول والثروة المعدنية السابق، طارق الملا، للجزيرة نت، إن سحب نحو مليار برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة ساعد على احتواء ارتفاع الأسعار خلال الحرب، مقابل تراجع المخزونات المتاحة لمواجهة أي اضطرابات جديدة في الإمدادات. وحذر الملا من أن استمرار الحرب قد يفرض سحباً إضافياً من الاحتياطيات، في وقت تحتاج فيه إعادة بنائها إلى أموال وفترات زمنية طويلة، مما يزيد مخاطر ارتفاع الأسعار إذا تعرضت الإمدادات لاضطراب جديد.

لكن العضو المنتدب لمنطقة الشرق الأوسط في شركة "إف جي إي" للاستشارات، إيمان ناصري، يقدم قراءة مختلفة لحجم السحب المعلن. ويوضح ناصري للجزيرة نت أن تقدير المليار برميل يمثل بصورة أساسية حجم الإمدادات التي فقدتها الأسواق من الشرق الأوسط وكان يفترض تعويضها من المخزونات، وليس رقماً مؤكداً لجميع البراميل المسحوبة فعلياً. وأشار إلى أن جزءاً من الإمدادات المفقودة ربما لم يعوض، نتيجة تراجع الطلب أو امتناع بعض المستهلكين عن الشراء بسبب ارتفاع الأسعار، ما يجعل تقدير حجم السحب الفعلي أكثر تعقيداً.

وتتفق الرئيسة التنفيذية لشركة "كريستول إنرجي"، كارول نخلة، مع ضرورة عدم المبالغة في تفسير الرقم، موضحة للجزيرة نت أن الاحتياطيات الاستراتيجية استخدمت لتحقيق الغرض الذي أنشئت من أجله، وهو حماية الأسواق والمستهلكين من الارتفاعات الحادة في الأسعار. وأشارت نخلة إلى أن تقييم المخزونات العالمية لا ينبغي أن يقتصر على احتياطيات الدول الصناعية، إذ تحتفظ الصين بكميات كبيرة لا تنشر السلطات بيانات تفصيلية بشأنها، ما يصعب تحديد الحجم الإجمالي للنفط المتاح عالمياً.

هوامش الأمان

تكمن أهمية المخزونات النفطية في قدرتها على توفير إمدادات إضافية عند تعطل حركة الإنتاج أو النقل، فيما تتفاوت هذه القدرة تبعاً لنوع المخزون وموقعه ومدى سهولة استخدامه. وتحتفظ الحكومات باحتياطيات استراتيجية لمواجهة الطوارئ، في حين تعتمد الشركات والمصافي على مخزونات تجارية وتشغيلية لضمان استمرار الإنتاج والتوزيع، مع تفاوت القدرة على نقل هذه الكميات بين الأسواق واستخدامها لتعويض نقص الإمدادات.

ويقول مستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة والشريك الإداري في شركة "إنرجي أوتلوك أدفايزرز"، أنس الحجي، للجزيرة نت، إن السحب الكبير من المخزونات تركز بدرجة أساسية في الولايات المتحدة والصين واليابان، ما يجعل هذه الدول أكثر حساسية لأي اضطرابات إضافية. وأشار الحجي إلى أن المشكلة لا تتعلق بحجم النفط المتبقي وحده، بل بنوعية الخام المتاح، خصوصاً أن إنتاج الديزل يحتاج إلى أنواع مناسبة من النفط المتوسط والثقيل، التي أصبحت إمداداتها أكثر تقييداً.

في المقابل، يرى ناصري أن السحب من الاحتياطيات لا يعني استنزاف قدرة السوق بصورة دائمة، موضحاً أن المخزونات ترتفع وتنخفض بصورة طبيعية تبعاً لدورات العرض والطلب. ويتوقع ناصري أن تسجل سوق النفط الخام فائضاً بنحو مليوني برميل يومياً خلال الربع الأخير من العام الجاري، ما قد يتيح إعادة تكوين المخزونات بإضافة ما بين 180 و200 مليون برميل، شريطة تحقق تقديرات العرض والطلب. وأشار في الوقت نفسه إلى أن قدرة الاحتياطيات على امتصاص صدمة جديدة بحجم الأزمة الحالية ستتراجع في حال حدوث ذلك قبل إعادة تكوين المخزونات المسحوبة.

ويرى الملا أن الاحتياطيات الاستراتيجية تمثل ضمانة لاستمرار النشاط الاقتصادي، لأنها تساعد الدول على توفير الوقود لمحطات الكهرباء والمصانع ووسائل النقل، محذراً من أن غيابها قد يؤدي إلى نقص الوقود وتعطل الإنتاج وارتفاع الأسعار.

مؤشرات السوق

لم يعد سعر خام برنت وحده كافياً لفهم الضغوط التي تواجه أسواق الطاقة، إذ يمكن أن تستقر أسعار النفط رغم استمرار نقص بعض المنتجات النفطية أو صعوبة وصولها إلى المستهلكين. ويقول ناصري إن مستوى المخزونات وحركة السحب والإضافة يمثلان عنصرين أساسيين في تحديد أسعار النفط، إلى جانب توقعات المعروض على المدى الطويل. ويوضح أن استمرار انخفاض المخزونات يشير إلى نقص الإمدادات، بينما تكشف زيادتها السريعة عن فائض محتمل في المعروض، ولذلك تساعد بيانات التخزين على فهم أوضاع السوق بصورة أعمق من متابعة الأسعار الفورية وحدها.

وأشار إلى أن استقرار سعر النفط لا يعني بالضرورة انتهاء اضطرابات الإمدادات، إذ قد يحدث نتيجة انخفاض الطلب استجابة للأسعار المرتفعة، حتى مع استمرار القيود على حركة الشحن والإنتاج. وتبرز هذه المفارقة في أزمة مضيق هرمز، حيث تراجعت قدرة بعض المنتجين على إيصال النفط والغاز إلى الأسواق، بينما استجاب المستهلكون للارتفاعات السعرية بتقليل الاستهلاك أو البحث عن بدائل. ويرى الملا أن استخدام المخزونات ساعد على إبقاء أسعار النفط دون مستويات أعلى، لكنه يحذر من أن استمرار السحب قد يقلص قدرة الأسواق على احتواء أي ارتفاعات جديدة.

تكلفة الوصول

تمتد أزمة الطاقة إلى التكاليف التي يتحملها المشترون لإيصال النفط والمنتجات المكررة إلى الأسواق، إذ لم تعد تكلفة البرميل مرتبطة بسعر الخام وحده، بل تشمل الشحن والتأمين والخدمات اللوجستية. وأكد سلطان الجابر أن حصة تكاليف النقل والخدمات اللوجستية ارتفعت إلى أكثر من 30% من تكلفة البرميل، مقارنة بأقل من 5% قبل الحرب، داعياً إلى توسيع قدرات التخزين الاستراتيجي وزيادة مخزونات المنتجات النفطية وبناء قدرات تكرير أكثر مرونة بالقرب من الأسواق المستهلكة.

ويقول ناصري إن السعر الذي تدفعه المصافي المستوردة لا يساوي بالضرورة سعر خام برنت في الأسواق المالية، لأن التكلفة النهائية تشمل أجور النقل والتأمين والتسليم، فضلاً عن الفروق المرتبطة بنوعية النفط وموقع الشحنة. ويوضح أن بعض المنتجين قد يضطرون إلى تقديم خصومات للمشترين لتعويض ارتفاع تكاليف الشحن، مشيراً إلى أن العراق واجه هذه الضغوط بسبب القيود التي تعرقل وصول صادراته إلى الأسواق العالمية.

ويتفق الملا مع هذا التقييم، موضحاً أن اضطرابات الملاحة في الخليج والبحر الأحمر والبحر الأسود دفعت شركات التأمين إلى رفع تكاليف تغطية مخاطر السفن والشحنات، ما انعكس على أسعار الوقود والمواد الخام. وترى كارول نخلة أن هذه الزيادات مرتبطة بدرجة كبيرة بالمخاطر الجيوسياسية، ولذلك قد تتراجع مع استقرار الأوضاع الأمنية، لكنها تحذر من استمرار علاوة المخاطر في الأسعار إذا كانت التسويات السياسية مؤقتة ولم تستعد الأسواق الثقة في سلامة الممرات البحرية.

اختناق التكرير

تواجه أسواق الديزل والغاز الطبيعي المسال ضغوطاً أشد من سوق النفط الخام، نتيجة تضرر منشآت التكرير واضطراب حركة ناقلات المنتجات النفطية والغاز، بالتزامن مع محدودية القدرة على تعويض الإمدادات المفقودة. وحذر الجابر من أن مخزونات الديزل في بعض المناطق وصلت إلى أدنى مستوياتها الموسمية منذ 35 عاماً، فيما وافقت وكالة الطاقة الدولية خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي على ضخ أكثر من 20 مليون برميل من الديزل لتعزيز المعروض.

ويقول أنس الحجي إن الأزمة الأساسية في سوق الديزل لم تعد مرتبطة بتوافر النفط الخام فقط، وإنما بقدرة المصافي على إنتاج كميات إضافية، خصوصاً أن العديد من المصافي خارج مناطق الاضطراب تعمل بالفعل عند مستويات تشغيل مرتفعة. ويضيف أن تعرض بعض المصافي الروسية للهجمات واضطراب صادرات المنتجات النفطية من الخليج حدّا من المعروض العالمي، في وقت لا تستطيع فيه المصافي المتبقية زيادة إنتاجها بسرعة لتعويض النقص.

وتتفق كارول نخلة مع هذا التقييم، مشيرة إلى أن وجود كميات كافية من الخام لا يضمن توافر المشتقات النفطية، نظراً إلى احتياج المصافي إلى قدرات تشغيلية ووقت لمعالجة النفط وإنتاج الوقود المطلوب. وتوضح أن عودة الصادرات من الشرق الأوسط قد تكون أسرع نسبياً عند تحسن الأوضاع الأمنية، بينما قد يستغرق تعافي المصافي الروسية وقتاً أطول بسبب الأضرار التي لحقت بالمنشآت والبنية التحتية.

ويقدم ناصري تقديرات تظهر تفاوت التعافي بين أسواق الطاقة، إذ يقول إن تدفقات النفط الخام عبر هرمز استعادت نحو 70% من مستوياتها السابقة للحرب، مقابل 40% للمنتجات النفطية ونحو 30% للغاز الطبيعي المسال. ويعزو ذلك إلى طبيعة الناقلات والمنتجات، إذ يتطلب نقل الغاز المسال معدات متخصصة للحفاظ على درجات الحرارة المنخفضة، بينما تواجه ناقلات المشتقات قيوداً مرتبطة بأحجام السفن وتكاليف التشغيل وإعادة تحميل الشحنات.

مخزون مؤقت

ويقول الملا إن إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية تتطلب فترة زمنية وتكاليف مالية كبيرة، خصوصاً إذا استمرت الدول في استخدام أرصدتها لتعويض نقص الإمدادات. ويرى الحجي أن المخاطر تصبح أكبر عندما تكون الكميات المتاحة من بعض أنواع الخام محدودة، لأن توافر النفط بصورة عامة لا يضمن قدرة المصافي على إنتاج المشتقات المطلوبة.

في المقابل، تؤكد نخلة أن استخدام الاحتياطيات لا ينبغي اعتباره مؤشراً على اقتراب نفادها، موضحة أن هذه المخزونات أنشئت للتدخل في الأزمات، وأن الأسواق قد تتمكن من إعادة بنائها تدريجياً عندما تتحسن الإمدادات. ويشير ناصري إلى أن جزءاً من المخزونات يمكن أن يعود مع ظهور فوائض في المعروض، لكنه يوضح أن توقيت إعادة التخزين يتوقف على الأسعار والاحتياجات التشغيلية والقرارات الحكومية.

وتعكس هذه الاختلافات أن قدرة الاحتياطيات على حماية الأسواق لا تتحدد بحجمها وحده، وإنما بمدى سرعة تعويض الكميات المسحوبة واستمرار توافر الإمدادات من مناطق الإنتاج. قدرة الدول على تعويض الكميات المسحوبة تتوقف على تحسن الإمدادات وتوافر أنواع الخام المطلوبة وأسعار النفط (رويترز)

الفاتورة العربية

تنتقل تداعيات تراجع المخزونات وارتفاع تكاليف الشحن إلى الاقتصادات العربية عبر أسعار الوقود والكهرباء والنقل والغذاء، مع اختلاف حجم التأثر بين الدول المستوردة للطاقة والدول المنتجة والمصدرة. وكشفت وكالة الطاقة الدولية عن ارتفاع فاتورة واردات النفط والغاز والمشتقات النفطية في مصر والمغرب وتونس ولبنان إلى 4.8 مليارات دولار شهرياً في يونيو/حزيران الماضي، بزيادة تقارب 66% مقارنة ببداية عام 2026. وأوضحت الوكالة أن المشتقات النفطية استحوذت على الحصة الأكبر من الزيادة، بينما تضاعفت فاتورة الغاز الطبيعي، مدفوعة خصوصاً بواردات مصر من الغاز المسال.

ويقول أنس الحجي إن ارتفاع أسعار النفط والديزل وأجور الشحن والتأمين أدى إلى زيادة التكاليف التي يتحملها المستهلك العربي، مشيراً إلى أن بعض الحكومات حاولت امتصاص الزيادات، بينما اضطرت دول أخرى إلى رفع أسعار الوقود محلياً. وتنتقل هذه الضغوط إلى الغذاء والسلع من خلال زيادة تكلفة تشغيل الشاحنات والمعدات الزراعية والمصانع، فضلاً عن ارتفاع أسعار نقل الواردات، بما يرفع تكلفة المنتج النهائي حتى في الدول التي لا تواجه نقصاً مباشراً في الوقود.

ويحذر الملا من أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل قد يؤدي إلى موجات تضخمية أوسع، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود والمواد الخام.

أمن الطاقة

أعادت التطورات الأخيرة طرح مفهوم أمن الطاقة باعتباره قدرة الدول على ضمان استمرار وصول الوقود إلى المستهلكين، وليس مجرد امتلاك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز. ودعا سلطان الجابر إلى توسيع التخزين الاستراتيجي وزيادة مخزونات المشتقات النفطية وتطوير قدرات تكرير مرنة بالقرب من أسواق الاستهلاك، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية والخدمات اللوجستية قبل وقوع الأزمات.

ويرى الملا أن الاحتياطيات الاستراتيجية تمثل أحد أهم عناصر حماية الاقتصادات من اضطرابات الإمدادات، لأنها تمنح الحكومات الوقت اللازم لتوفير بدائل والحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي. في المقابل، يرى ناصري أن المخزونات ليست بديلاً دائماً عن الإنتاج، وإنما أداة لامتصاص الصدمات، وأن استعادة توازن الأسواق تظل مرتبطة بعودة الإمدادات وانتظام التجارة.

وتؤكد نخلة أن تراجع المخاطر الجيوسياسية قد يسهم في خفض تكاليف الطاقة، فيما تتوقع أن تستغرق أسعار بعض المشتقات النفطية وقتاً أطول للعودة إلى مستويات ما قبل الأزمة، نتيجة استمرار القيود على التكرير والإمدادات. وتوضح الأزمة أن ارتفاع سعر خام برنت ليس المؤشر الوحيد على المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، إذ يمكن أن تستقر أسعار النفط بينما تستمر الضغوط على أسعار الديزل والغاز والسلع، إذا ظلت المخزونات منخفضة وتكاليف النقل مرتفعة.

شارك الخبر: