قصص النجاة من غزة: 9 ناجين يروون كيف حملوا أرواحهم تحت الركام وفي المنفى


هذا الخبر بعنوان "أجساد بالمنفى وأرواح تحت الركام.. 9 غزيين يروون قصص النجاة" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يستعيد 9 فلسطينيين بيوتهم وأحلامهم ورحلات نزوحهم، ويروون كيف حملوا غزة في ذاكرتهم بعد أن غادروها، في حين ظل الفقد يلاحقهم. يبدأ الفيلم الوثائقي "من بقي حيا" من طاولة يجلس حولها 9 فلسطينيين يعيدون رسم أماكنهم على خريطة قطاع غزة، فتتحول الخريطة إلى جغرافيا شخصية بين البيت والبحر والعمل والحي.
يستعيد جودت الخضري، المعروف بـ"أبي الناجي"، بيته وممراته المبنية بحجارة من بيوت غزة القديمة، وجلسته المفضلة وأشجار الزينة ومزرعة "الواحة". ويتوقف عند شجرة الصبّار كرمز للصبر الذي لازم الفلسطينيين، وإن أقر بأنه أثقل عليه من فرط احتماله.
أما هناء عليوة فتشير إلى بيتها ومكتبها القريبين من البحر، وإلى استوديو أسسته مع أختها لإنتاج أفلام الرسوم المتحركة، فقد صنعت مساحة مهنية مميزة؛ إذ كانت أول شركة تؤسسها امرأة، ويعمل فيها عدد كبير من الفتيات، فلم تفقد مكانا للعمل وحده، بل فقدت مجتمعا وامتدادا لروحها.
ولفراس الشرافي خريطة أخرى تتقاطع فيها 3 أمكنة: البيت، ومعهد إدوارد سعيد الذي تعلم فيه الموسيقى ودرّسها، والاستوديو. كان يعزف في أرجاء منزله، ثم يذهب إلى المعهد، ويختم يومه عند البحر؛ إيقاع حياة قطعه القصف.
في القرارة، تستعيد غادة العبادلة حديقة عائلتها بما فيها من نخيل وزيتون وتين وبرك سمك ومزرعة دجاج. وتروي كيف كان ركوب دراجتها أجمل لحظات يومها، قبل أن يتحول البيت الواسع -بما يحمله من ذاكرة أجيال- إلى مساحة للخوف. وتختصر حنين حرارة التحول القاسي في حقائب أطفالها المدرسية؛ أفرغتها من الكتب، ووضعت فيها ملابسهم بعدما سمعت أن الجنود يدخلون غزة.
أما ملاك خضرة فتستعيد حارة النصر وعمارة العائلة التي جمعت الأجداد والآباء والأبناء، قبل أن تُدمر الحارة بأكملها. وتتجاوز الشهادات وصف الممتلكات إلى معنى البيت، فترى الدكتورة إيمان شنان البيت فردا كبيرا من العائلة، لا مجرد جدران، وتستعيد تفاصيل ما صنعته بيديها. ويبلغ الفقد مداه عند محمود جودة، الذي أحجم عن شراء لوحة أعجبت لأنه لم يعد يملك بيتا يعلقها فيه.
النجاة لا تنهي الحرب
من استعادة الأمكنة إلى لحظة اقتلاع أصحابها، ينتقل الفيلم إلى مشاهد النزوح. يروي فراس كيف غادر حاملا آلة القانون ومفتاح البيت، بعدما أغلق بابه للمرة الأخيرة، وتحولت رحلة كان يُفترض أن تستغرق 10 دقائق إلى 3 ساعات من القصف وتغيير الطرق والخوف. وفي الطريق، شاهد فراس شاحنة تقل نساء وأطفالا وشيوخا وشبانا تتعرض للقصف، وكانت مسارات النزوح نفسها تتعرض للاستهداف، وحين حاول لاحقا عزف "موطني" على درج المبنى، تطاير الزجاج بعد قصف المنزل المجاور، فتوقف اللحن وبقي المشهد عالقا في ذاكرته.
أما غادة فتصف خروج عائلتها من القرارة سيرا على الأقدام، بعدما لم تجد سيارة أو حافلة تقلهم. حملت حقيبتها المدرسية بعد أن استبدلت الملابس بالكتب، ومشّت تحت الشمس والقصف مع أسرتها، قبل أن يجد أكثر من 70 شخصا مأوى مؤقتا في منزل واحد. ولم يكن الوصول إلى مصر نهاية الخوف، إذ تروي هناء أنها باعت السيارة ومعدات عملها وطائرتها المسيّرة، ودفعت مع أسرتها مبالغ كبيرة للخروج حفاظا على أطفالها، لكن أمها أُعيدت عند المعبر، فخرجت هناء وبقيت والدتها وأقاربها في غزة، يتنقلون بين أماكن النزوح. وتقول هناء إن أمها وأختها الصغرى نزحتا أكثر من 20 مرة، وكل اتصال من غزة صار يفزعها؛ فلا تسأل المتصل عن أحواله، بل تطلب منه أن يخبرها فورا بما حدث، هكذا صار المنفى امتدادا للقلق لا انفصالا عنه.
وتحمل شهادة حنين حرارة وجه آخر للفقد؛ فبعد خروجها، وصلها خبر قصف منزل العائلة في تل الهوى، ثم تلقت نبأ استشهاد أفراد من أسرتها، وكانت تكتب أسماء الضحايا والمصابين تباعا، حتى بلغت قائمة الشهداء 13 اسما، وفق روايتها. لم يكن البيت عند حنين حجارة فحسب؛ فقد بناه والدها وأعمامها وجدّتها حجرا حجرا، وظل والدها يتفقد صوره ليتأكد أن جدرانه ما زالت قائمة، وحين احترق بعد تمركز القوات الإسرائيلية فيه، شعرت أن كل حجر سقط حمل معه عمرا من التعب والذكريات.
ذاكرة تحت الأنقاض
وتستعيد ملاك ليلة قصف منزل العائلة، حين فتحت عينيها لتجد نفسها تحت الركام، والنار والدخان يحيطان بها، وبعد إخراجها، علمت باستشهاد أختها ميسة، ثم ظل أخوها عمر مفقودا 3 أيام قبل العثور عليه تحت الأنقاض؛ كما فقدت جدها وابنة عمتها. أما إيمان فتصف الخوف بأنه حياة يومية لها رائحة الموت وصوته؛ إذ ظلت تلتصق بابنها أحمد طوال 4 أشهر من الحرب، وتراقب تفاصيل النجاة داخل المنزل. ولم تعرف أن بيتها دُمر إلا حين تعرفت إليه في مقطع مصور من مسجد قريب، بعدما زالت ملامحه.
وفي شهادة أبي الناجي، لا يقف الدمار عند البيت والمصانع، بل يصل إلى المتحف الذي احترق بما ضمه من نحو 200 ثوب فلسطيني وحلي ومقتنيات تراثية. يقول إن ما فُقد هو التاريخ، وإن حديثه عن الأمل بات يصطدم بإرهاق داخلي لا يخفيه. هنا تتضح دلالة اجتماع هؤلاء التسعة: اختلاف أعمارهم ومهنهم ومناطقهم ليس تفصيلا عابرا، بل محاولة لجمع صورة من أنحاء القطاع، من رفح وخان يونس إلى غزة وشمالها، ويؤكد المشاركون أنهم يريدون رواية الناس العاديين، لا الاكتفاء بما تقوله السياسة والعسكر. وفي ختام الفيلم، يقرأ جودت أبياتا كتبها عن عام أكل الأخضر واليابس، وتبعثر فيه شمل الأسر، حتى صار "الجسد في مكان، والروح في مكان آخر"، ويقول إن روحه ما زالت في غزة، في حين تجيبه صوت حنين بأن الأمل لا يزال ممكنا. وتعيد حنين السؤال إلى معنى العودة، لا بوصفها استعادة بيت فحسب، بل مسؤولية جيل سيكبر بعيدا عنه. تقول لابنها إن عليه أن يتعلم ويقوى ليعود ويسهم في إعمار بلده؛ فغزة -كما توحي شهادات الفيلم- ليست مكانا غادره أهلها بقدر ما هي حياة يحملونها معهم.
منوعات
عاجل
منوعات
عاجل