لماذا لم ينجُ دي ميغيل رغم عودة نبضه؟ خبراء سبيتار يوضحون الأسباب الطبية المعقدة


هذا الخبر بعنوان "لماذا لم ينجُ دي ميغيل رغم عودة نبضه؟ خبراء سبيتار يجيبون" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثارت وفاة لاعب كرة القدم الإسباني خيسوس دي ميغيل، عقب اصطدام عنيف بحارس مرمى خلال مباراة في دوري الدرجة الثانية الإسباني، تساؤلات طبية حول أسباب تدهور حالة المصاب رغم نجاح المسعفين في استعادة نبض قلبه، ولماذا لا تعني عودة الدورة الدموية بالضرورة تجاوز الخطر أو ضمان النجاة. واستعاد اللاعب نبضه بعد تعرضه لتوقف القلب المفاجئ، لكنه ظل فاقدا الوعي، قبل أن تتدهور حالته العصبية ويُعلن عن وفاته صباح الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وتطرح الحادثة سؤالا طبيا مهما: ماذا يحدث للدماغ عندما يتوقف القلب عن ضخ الدم؟ ولماذا يمكن أن تستمر المضاعفات الخطيرة حتى بعد نجاح الإنعاش؟
وقعت الحادثة مساء الاثنين 2 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، في الوقت بدل الضائع من مباراة تينيريفي وأندورا، ضمن منافسات دوري الدرجة الثانية الإسباني، عندما تقدم حارس أندورا خيسوس أوونو للتعامل مع كرة طويلة، واصطدمت ركبته بصدر دي ميغيل، ليسقط اللاعب فاقدا الوعي وسط استغاثات زملائه لتدخل الطاقم الطبي.
وتلقى اللاعب الإسعافات داخل الملعب قبل نقله إلى المستشفى إثر تعرضه لتوقف القلب المفاجئ، وذكرت تقارير صحفية أن المسعفين تمكنوا من استعادة نبضه داخل سيارة الإسعاف، لكنه لم يستعد وعيه، ونُقل إلى العناية المركزة بمستشفى نويسترا سينيورا دي لا كانديلاريا الجامعي.
وأعلن نادي تينيريفي لاحقا تدهور حالته العصبية، قبل تأكيد وفاته صباح الثلاثاء عن عمر 30 عاما، دون إعلان تشخيص طبي نهائي يحدد سبب الوفاة. ورغم أن تقارير صحفية وصفت الاصطدام بأنه وقع في منطقة الصدر، فإن المعلومات المنشورة لا تكفي لتحديد سبب توقف القلب أو طبيعة المضاعفات التي أدت إلى الوفاة، إذ تتطلب الإجابة الاطلاع على نتائج الفحوص والتقارير الطبية.
وفي تصريحات خاصة للجزيرة نت، أوضح خبراء من مستشفى سبيتار لجراحة العظام والطب الرياضي في قطر المضاعفات القلبية والعصبية المحتملة بعد الاصطدامات العنيفة، مؤكدين أن تقييم حالة اللاعب يتطلب الاطلاع على نتائجه الطبية، وأن تفسيراتهم تستند إلى المبادئ العلمية العامة دون الجزم بسبب وفاته.
وتوضح الدكتورة سيلست غيرتسيما، اختصاصية الطب الرياضي وخبيرة الطوارئ داخل الملاعب في سبيتار، أن توقف القلب يؤدي إلى انقطاع ضخ الدم إلى الدماغ وبقية الأعضاء، ما يجعل الدقائق الأولى حاسمة في فرص النجاة والتعافي. وتبين أن الضغطات الصدرية أثناء الإنعاش تساعد على إيصال الدم إلى الأعضاء الحيوية، لكنها لا توفر تدفقا للدم يماثل ما يحققه القلب أثناء عمله الطبيعي، مشيرة إلى أن الدماغ من أكثر الأعضاء حساسية لنقص الأكسجين، وأن إصابته يمكن أن تبدأ خلال توقف الدورة الدموية، حتى لو نجح الأطباء لاحقا في استعادة النبض.
وتضيف غيرتسيما أن بعض الإصابات الدماغية تكون شديدة رغم نجاح الإنعاش، كما يمكن أن يظهر تورم دماغي متأخر يزيد الضرر الأولي سوءا، نتيجة ارتفاع الضغط داخل الجمجمة وتأثر أنسجة الدماغ. وتتأثر فرص التعافي العصبي، بحسب غيرتسيما، بالمدة التي انقطعت خلالها الدورة الدموية قبل بدء الإنعاش، وجودة الضغطات الصدرية، وسرعة استعادة النبض، والرعاية المقدمة داخل العناية المركزة، بما في ذلك مراقبة درجة حرارة الجسم والتحكم فيها.
وتلفت إلى أن استمرار فقدان الوعي لا يكشف وحده طبيعة الإصابة أو فرص التعافي، موضحة أن التمييز بين إصابة الدماغ الناجمة عن نقص الأكسجين وإصابة مباشرة نتيجة الاصطدام يتطلب فحوصا متخصصة، تشمل التصوير بالأشعة المقطعية أو الرنين المغناطيسي للكشف عن النزيف والتورم، وتخطيط كهربائية الدماغ لتقييم نشاطه، إلى جانب الفحص العصبي السريري. ولا تعني الغيبوبة المستمرة دائما حدوث موت دماغي؛ إذ يتطلب تشخيصه استيفاء معايير طبية محددة تثبت الفقدان الدائم لوظائف الدماغ، بما في ذلك جذع الدماغ.
وتبرز صعوبة تقييم فرص التعافي في دراسة نُشرت عام 2024 في دورية الإنعاش (Resuscitation)، وشملت 337 مريضا ظلوا في غيبوبة بعد إنعاشهم من توقف القلب خارج المستشفى، في 28 وحدة للعناية المركزة. وأظهرت الدراسة أن التقييم الطبي رجح نتائج عصبية سيئة لدى 175 مريضا، بينما ظلت فرص التعافي غير محسومة لدى 162 آخرين، أي نحو 48% من المشاركين، وهو ما يبرز أهمية عدم الاعتماد على مؤشر منفرد للحكم على مستقبل المريض. وتنسجم هذه النتائج مع إرشادات جمعية القلب الأمريكية لعام 2025، التي تؤكد أهمية الجمع بين الفحص العصبي وتخطيط كهربائية الدماغ والتصوير الطبي وغيرها من المؤشرات، مع مراعاة تأثير الأدوية المهدئة والعوامل التي قد تؤثر في دقة التقييم.
ومن جانبها، توضح الدكتورة ماريا كارمن أداموز، اختصاصية أمراض القلب الرياضية في سبيتار، أن الاصطدام المباشر بمنطقة القلب يمكن أن يؤدي في ظروف نادرة إلى اضطراب كهربائي خطير يُعرف باسم "ارتجاج القلب" (Commotio Cordis)، وقد يتسبب في توقف الدورة الدموية بصورة مفاجئة. وتبين أن هذه الظاهرة تحدث عندما تقع الضربة خلال لحظة شديدة الحساسية من النشاط الكهربائي للقلب، وتحديدا أثناء مرحلة من موجة تُعرف باسم "موجة T"، خلال فترة قصيرة جدا تتراوح بين 10 و40 جزءا من الألف من الثانية، مما قد يؤدي إلى الرجفان البطيني، وهو اضطراب يعجز معه القلب عن ضخ الدم بصورة فعالة.
وتشير أداموز إلى أن خطر ارتجاج القلب لا يرتبط بقوة الضربة وحدها، بل يتأثر بموضعها وتوقيتها، لافتة إلى أن هذه الظاهرة النادرة تُشاهد بصورة أكبر لدى الذكور الأصغر سنا، الذين يتميز القفص الصدري لديهم بمرونة نسبية أكبر. لكن ارتجاج القلب ليس التفسير الوحيد لتوقف الدورة الدموية بعد اصطدام عنيف؛ إذ تشمل الاحتمالات الأخرى إصابات عضلة القلب والأوعية الدموية الكبيرة والرئتين، إلى جانب كسور الأضلاع أو عظم القص وما قد يصاحبها من أضرار داخلية. ويختلف ارتجاج القلب عن الإصابات المباشرة لعضلة القلب؛ فهو اضطراب كهربائي لا يشترط حدوث تلف في أنسجة العضلة، بينما يمكن أن تؤدي الإصابات الصدرية الأخرى إلى أضرار في القلب أو الأوعية الدموية أو أعضاء الصدر.
وتكشف دراسة نُشرت في الدورية البريطانية للطب الرياضي (British Journal of Sports Medicine)، واستندت إلى سجل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للوفيات المفاجئة، عن أهمية التدخل المبكر عند تعرض اللاعبين لتوقف القلب المفاجئ. وشملت الدراسة 617 حالة في 67 دولة بين عامي 2014 و2018، تضمنت حالات الوفاة المفاجئة وتوقف القلب التي نجا أصحابها، إلى جانب بعض الوفيات الناتجة عن إصابات مباشرة، وسُجلت نجاة 142 لاعبا، بنسبة إجمالية بلغت 23%.
وأظهرت أن نسبة النجاة بلغت 35% عند إجراء إنعاش فوري بواسطة أشخاص غير متخصصين، و50% عندما أجراه أفراد مدربون، وارتفعت إلى نحو 85%، بواقع 35 لاعبا من أصل 41، عندما بدأ أفراد مدربون الإنعاش واستخدموا جهاز إزالة الرجفان الآلي. وتبرز هذه النتائج أهمية التدريب وتوافر معدات الطوارئ وسرعة الاستجابة، لكنها لا تعني ضمان النجاة أو أن استخدام جهاز إزالة الرجفان وحده كان سبب ارتفاع نسبة النجاة.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور بيتر دزندروفسكي، مدير قسم التخدير وخبير الطوارئ الميدانية في مستشفى سبيتار، أهمية التعرف السريع على توقف القلب المفاجئ وبدء الضغطات الصدرية واستخدام جهاز إزالة الرجفان عند الحاجة، بالتزامن مع تأمين مجرى الهواء ودعم التنفس، مشيرا إلى أن جاهزية الفرق الطبية والتدريب المسبق على حالات الطوارئ يساعدان على تقليل التأخير في تقديم الإجراءات المنقذة للحياة.
ومن جانبه، يشير الدكتور مصطفى عدوس، الطبيب العام والملتحق ببرنامج دبلوم الفيفا لطب كرة القدم، إلى أن الأطقم الطبية استجابت بسرعة للحادثة، وفق البروتوكولات المعتمدة للتعامل مع توقف القلب المفاجئ والإنعاش السريع في ملاعب كرة القدم. ويضيف للجزيرة نت أن هذه الاستجابة تمثل خطوة أساسية لزيادة فرص النجاة، لكنها لا تضمن التعافي في جميع الحالات؛ إذ يمكن أن تستمر المضاعفات رغم استعادة النبض، ما يستدعي مراقبة التنفس والدورة الدموية ومستوى الوعي، والكشف عن الإصابات المصاحبة وأي تدهور عصبي.
ويؤكد عدوس أنه لا يمكن تحديد سبب توقف قلب دي ميغيل أو وفاته دون الاطلاع على النتائج الطبية النهائية، سواء تعلق الأمر باضطراب كهربائي في القلب نتيجة إصابة الصدر، أو بمضاعفات أخرى أثرت في وظائف الدماغ والأعضاء الحيوية. وتؤكد الحادثة أن نجاح الإنعاش لا يُقاس بعودة النبض وحدها، بل بقدرة المصاب على تجاوز المضاعفات القلبية والعصبية اللاحقة، وهو ما يجعل التدخل السريع والرعاية المتخصصة بعد الإنعاش مرحلتين متكاملتين في محاولة إنقاذ الحياة.
صحة
صحة
صحة
صحة