بغداد تحت وطأة التلوث: رائحة الكبريت وأمراض الجهاز التنفسي تسيطر على العاصمة


هذا الخبر بعنوان "بين رائحة الكبريت وأجهزة التنقية.. كيف يعيش سكان بغداد تحت سحابة خانقة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أميمة مجيد 5/11/2026
تشهد العاصمة بغداد تلوثاً متزايداً للهواء ناجم عن عوادم السيارات والمولدات الكهربائية والمنشآت الصناعية والنفطية، مما أدى إلى زيادة في مراجعات المصابين بأمراض الجهاز التنفسي للمستشفيات وسط تصاعد التعرض للملوثات البيئية والعواصف الترابية.
في العاصمة العراقية، تتجلى آثار التلوث في تفاصيل الحياة اليومية. فعوادم السيارات، وأدخنة مولدات الكهرباء، وانبعاثات المنشآت الصناعية والنفطية، والعواصف الترابية، وتسرب المخلفات إلى نهر دجلة، كلها تترك بصمتها في أجواء المدينة. وبين الحين والآخر، تفاجئ السكان روائح نفاذة، من بينها رائحة الكبريت. ومع استمرار هذه المشاهد، لا يقتصر القلق على تراجع جودة الهواء وما يصاحبه من روائح وانبعاثات، بل يمتد إلى الآثار الصحية المحتملة للتعرض للملوثات، لا سيما على الجهاز التنفسي.
في أحد أقسام مستشفى بغداد التعليمي، تتجسد هذه المخاوف بشكل ملموس: مرضى ينتظرون أمام عيادات الجهاز التنفسي، وآخرون يحملون فحوصاتهم ويتنقلون بين المقاعد والممرات بحثاً عن موعد أو تشخيص، والطوابير لا تكاد تنقطع. هذا المشهد لا يكشف وحده أسباب الحالات التي يستقبلها المستشفى، ولكنه يضع صحة الرئة في مقدمة الأسئلة التي تثيرها نوعية الهواء في المدينة.
بالنسبة إلى محمد جبار، المصاب بالربو، لا تمر العواصف الترابية أو الروائح النفاذة دون أن تترك أثراً على صحته. يشكو جبار للجزيرة نت أن كل موجة غبار تثير حساسيته وتزيد من معاناته في التنفس، كما تتسبب الروائح المنبعثة في تفاقم أعراض الحساسية لديه وتضييق مجرى التنفس، مما دفعه لاستخدام جهاز لتنقية الهواء داخل منزله في محاولة لتوفير بيئة أقل تلوثاً تساعده على التنفس.
الحالات في تزايد
يلفت المختص بالأمراض التنفسية في المستشفى، الدكتور مصطفى مازن، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن التعرض لمهيجات الجهاز التنفسي، سواء كانت ناجمة عن التلوث البيئي أو عوامل طبيعية مثل العواصف الترابية، قد يؤدي إلى مشكلات صحية، منها الانسدادات القصبية، فضلاً عن احتمال إلحاق الضرر بأنسجة الرئة. ويربط مازن تزايد الحالات خلال السنوات الأخيرة بارتفاع التعرض لمصادر التلوث، منها المولدات والمصانع ومشتقات النفط، مع تفاوت ذلك بين المناطق. ولكنه لا يعزو الزيادة إلى هذا العامل وحده، فتحسن التشخيص والقدرة على اكتشاف الحالات أسهم أيضاً في ارتفاع الأعداد المسجلة. وهذا التفسير المتصل بزيادة التعرض لا يعني أن كل إصابة تنفسية يمكن إرجاعها مباشرة إلى الهواء الملوث.
من زاوية التشخيص وإثبات السبب، يضع طبيب الأمراض التنفسية في مستشفى الزهراء التعليمي بمدينة الكوت، مركز محافظة واسط، محمد شحاذة، حدوداً واضحة لما يمكن الجزم به علمياً. إذ ينبه إلى أن ربط نسبة مرض بعينه، مثل سرطان الرئة والربو، بتلوث الجو يتطلب أدلة مباشرة وفحوصاً متقدمة، قد تشمل تحليل الأنسجة والجينات، فضلاً عن دراسة عوامل أخرى محتملة. وهكذا يميز شحاذة بين ارتفاع التعرض والحالات المسجلة، وإثبات علاقة سببية في حالة فردية، لا يحسمها وجود التلوث وحده.
الحكومة تعلن الطوارئ
حكومياً، دخل الملف مرحلة أكثر حرجاً. ففي 24 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت وزارة البيئة حالة الطوارئ، وتوجهت نحو اتخاذ إجراءات قانونية بحق الجهات المخالفة في القطاعين العام والخاص. وفي يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أعادت وزيرة البيئة وضع الأنشطة النفطية في صدارة التحذيرات، مؤكدة وجود "مؤشرات سلبية جداً" بشأن أثرها البيئي. ورغم إقرارها بأن تدابير الحد من التلوث لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أنها جعلت الوصول إلى "التلوث الصفري" هدفاً للوزارة.
ووفقاً للوزارة، فإنها تعتمد على محطات رصد ثابتة ومتنقلة في مراقبة جودة الهواء، إلى جانب أجهزة محمولة تستخدمها الفرق الميدانية. ويكشف المستشار الفني لوزارة البيئة، عمار العطا، للجزيرة نت، عن وجود 24 محطة لمراقبة نوعية الهواء في بغداد، تعمل على مدار الساعة وترسل بياناتها باستمرار لمركز متخصص بالوزارة لتحليل مستويات التلوث ورصد تغيراتها. ويوضح أن المعدلات العامة تشير إلى ارتفاع التلوث في بغداد بفعل كثافة المركبات والمولدات الأهلية والأنشطة الصناعية ومحطات توليد الكهرباء ومصفى الدورة النفطي. مشيراً إلى أن محطات الرصد سجلت، خلال شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول الماضيين، ارتفاعاً في تراكيز ثاني أكسيد الكبريت، لا سيما في المحطات المرورية القريبة من الشوارع.
ويؤكد العطا أن الوزارة تتخذ إجراءات قانونية بحق الأنشطة الملوثة، استناداً إلى قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، تبدأ بالإنذار ثم الغلق وفرض الغرامات، مع إحالة المخالفات إلى القضاء. إلا أنه فيما يتعلق بالمنشآت الحكومية، يراعى فيها طبيعة الخدمات التي تقدمها للمواطنين، إذ إن إغلاق مستشفى أو محطة لتوليد الكهرباء قد يترتب عليه ضرر أكبر على المجتمع. لذلك، يستلزم الأمر تنسيقاً بين مؤسسات الدولة لتحقيق التوازن بين حماية البيئة واستمرار الخدمات العامة.
تحديد بؤر التلوث
وبعد مرور أكثر من شهر على إعلان الطوارئ، دعا مرصد العراق الأخضر إلى إظهار خطوات ميدانية وخطط تنفيذية أكثر وضوحاً. وذكر أن تعدد مصادر التلوث يتطلب تحديد البؤر الأكثر خطورة وإجراء مسوحات ميدانية لها، ثم وضع جداول زمنية تلزم الجهات المسؤولة بالمعالجة ومحاسبة المخالفين.
يرى رئيس المرصد، عمر عبد اللطيف، في حديثه للجزيرة نت، أن خفض الانبعاثات النفطية والصناعية وحرق النفايات لا يمكن أن يتحقق بجهد وزارة البيئة وحدها. فوزارة النفط، بحسب طرحه، مطالبة بإلزام الشركات بتحديث الأجهزة والمنشآت والالتزام بالمعايير البيئية، والعمل على وقف حرق الغاز المصاحب خلال السنوات المقبلة. كما تقع على وزارة الصناعة مسؤولية تشديد الرقابة على المعامل الملوثة، فيما يتعين على أمانة بغداد تطوير إدارة النفايات بإنشاء معامل للتدوير والاستفادة منها في إنتاج الكهرباء. وفي حال تعذر تدوير بعض النفايات، يشدد عبد اللطيف على أن حرقها ينبغي أن يجري وفق ضوابط فنية تسيطر على الانبعاثات، لا بصورة عشوائية، مع الاستفادة الممكنة من الطاقة الناتجة.
وتناولت دراسات منشورة في مجلات علمية دولية خلال عام 2026 تلوث الهواء في بغداد. إذ نشرت مجلة "أتموسفير" في أبريل/نيسان الماضي دراسة حددت المولدات الأهلية وعوادم المركبات ومحطات الطاقة ضمن مصادر الجسيمات الدقيقة. وفي 8 يوليو/تموز، نشرت دورية "إنترناشونال جورنال أوف جيوميت" دراسة اعتمدت بيانات الأقمار الصناعية للفترة 2020-2025، ورصدت ارتفاع الجسيمات الدقيقة خلال أشهر الصيف، وبؤر تلوث بأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين في مركز العاصمة ومناطقها الصناعية.