السجون التونسية: بين تنفيذ الأحكام وأداة قمع المعارضة؟ جدل حقوقي وسياسي


هذا الخبر بعنوان "السجون في تونس.. تنفيذ للأحكام أم أداة لإسكات المعارضة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت ندوة تضامنية نظمتها منظمة العفو الدولية في تونس مع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي وعائلاتهم، طرح التساؤل حول وظيفة السجن: هل هو مجرد تنفيذ لأحكام قضائية أم أداة تتجاوز معاقبة الأفراد إلى إسكات المعارضة وتخويف المجتمع؟
فبينما وصفت ممثلتان للمنظمة الملاحقات بأنها امتداد لتصفية الحياة السياسية، دافع المحامي والمحلل السياسي قيصر الصياح عن المسار القضائي، مستندا إلى درجات التقاضي والضمانات القانونية للمسجونين.
وكشفت المداخلات في برنامج "النشرة المغاربية" على قناة الجزيرة أن الخلاف يمتد من وجود الأحكام إلى عدالة الإجراءات التي أنتجتها.
منسقة المناصرة والحملات في منظمة العفو الدولية بتونس، سمر سحيم، وصفت السجون بأنها أصبحت امتداداً لسياسة تصفية المعارضة والحياة السياسية، مشيرة إلى سجن قيادات حزبية وملاحقات تستهدف الأحزاب والمجتمع المدني.
من جهتها، شرحت مديرة النشاط وحقوق الإنسان في مكتب تونس للمنظمة، إيناس لملوم، ما تعتبره أثراً يتجاوز المعتقلين أنفسهم. وقالت إن "السجون اليوم امتداد وأداة لإسكات المعارضة السياسية"، معتبرة أن استهداف شخصيات بارزة ورؤساء أحزاب ومدافعين عن الحقوق وصحفيين يبعث رسالة إلى فئات أخرى بأن أصواتها معرضة للإسكات أيضاً.
وفي قراءتها، لا تقف المسألة عند إخراج قيادي من النشاط العام، بل تمتد إلى ردع من يمكن أن يسلك طريق المعارضة أو التعبير عن موقف ناقد. ولهذا ربطت بين متابعة أوضاع المسجونين والدفاع عن مساحة العمل السياسي والمدني خارج السجن.
لدى سؤالها عن أساس هذا التوصيف، أحالت لملوم إلى عمل المنظمة مع المحامين وهيئات الدفاع، وما قالوا إنهم قدموه من معطيات بشأن أوجه إخلال إجرائية وملفات تفتقر إلى الأدلة، مستشهدة بقضايا من بينها قضية التآمر. وانتقدت انعقاد جلسات تضم أعداداً كبيرة من المتهمين في ظل غيابهم، وصدور أحكام سريعة دون ما تراه ضرورياً من تدقيق في الملفات. ووصفت تلك المحاكمات بأنها صورية؛ وهو توصيف المنظمة لما تقول إنها وثقته، وليس مجرد اعتراض على طول العقوبات.
في المقابل، بدأ المحامي والمحلل السياسي قيصر الصياح دفاعه من المسار الذي يسبق تنفيذ العقوبة، قائلاً إن "السجون هي مكان لتنفيذ العقاب الذي صدرت بشأنه أحكام باتّة غير قابلة للطعن فيها". وعدد مراحل التحقيق ودوائر الاتهام والمحاكم الجنائية وصولاً إلى محكمة التعقيب، معتبراً هذا التدرج ضمانة لحقوق الدفاع. واستند كذلك إلى القانون 52 لسنة 2001 المتعلق بنظام السجون، وتنقيحه في 2008، وما يتضمنه من حقوق للمسجونين، بينها الرعاية الصحية والمتابعة الطبية. وبذلك وضع النصوص وآليات التقاضي في مقابل ما تطرحه المنظمة من اعتراضات على التطبيق.
ولا يتوقف موقف منظمة العفو عند غياب حكم نهائي؛ ففي مادة نشرتها يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قالت إن محكمة التعقيب أيدت في 3 سبتمبر/أيلول أحكام الإدانة في قضية التآمر، لكنها واصلت وصفها بالجائرة والمطالبة بإلغائها. كما انتقدت قيوداً على المراسلات والزيارات والوصول إلى الكتب والصحف.
يتيح قانون السجون نفسه التمييز بين تنفيذ العقوبة والإيقاف قبل حسم القضية. فالفصل الثالث ينص على "سجون إيقاف تؤوي الأشخاص الموقوفين تحفظياً"، إلى جانب سجون التنفيذ، بينما يجيز الفصل الرابع الإيداع بموجب بطاقة إيداع أو جلب، أو تنفيذاً لحكم، أو بموجب الجبر بالسجن. ومن ثم لا ينحصر نطاق القانون في أصحاب الأحكام الباتة.
كذلك يقرر الفصل الأول حماية حرمة السجين الجسدية والمعنوية ورعايته الصحية والنفسية، ويتناول الفصل 17 مقابلة المحامي. وهذه ضمانات منصوص عليها، أما مدى احترامها في قضية محددة فيحتاج إلى فحص إجراءاتها؛ فلا تكفي الإحالة إلى القانون وحدها لإثبات التطبيق أو نفيه.
وامتد الخلاف إلى القضاة المعفيين، حين سأل المذيع عن عدم تنفيذ قرارات من المحكمة الإدارية لمصلحتهم. ونفى الصياح أن تكون إعفاءاتهم بسبب نشاط سياسي أو جمعياتي، وربطها بملفات وإحالات رقابية وقضائية، معتبراً أن العودة إلى العمل تقتضي صدور أحكام بالبراءة. لكن العبارة الواردة في المرسوم 35 لسنة 2022 تتناول شرط الطعن في أمر الإعفاء، وتنص على أنه "لا يمكن الطعن في الأمر الرئاسي المتعلق بإعفاء قاض إلا بعد صدور حكم جزائي باتّ في الأفعال المنسوبة إليه". فهي لا تنص باللفظ نفسه على اشتراط البراءة للعودة، ولا يحسم نصها وحده النزاع بشأن تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية.
حضرت قضية الصحفي زياد الهاني في "النشرة المغاربية" بوصفها حالة محددة لهذا الجدل. ففي بيان نشرته لجنة حماية الصحفيين يوم 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 مع 16 منظمة أخرى، دعت الجهات الموقعة عليه إلى الإفراج عن الهاني وإنهاء الملاحقات التي تربطها بعمله الصحفي وآرائه النقدية.
وبحسب البيان، فإن الهاني يواجه ثلاث ملاحقات منفصلة، وصدر في 27 أكتوبر/تشرين الأول حكم بسجنه أربع سنوات بعد إدانته بأربع تهم تتعلق بالإرهاب. وينقل البيان عن هيئة الدفاع قولها إن الهاني استُجوب في البداية بصفته شاهداً، ثم أصبح مشتبهاً فيه بعد رفضه الكشف عن معلومات يمكن أن تمس سرية مصادره الصحفية. وهذا تفسير الدفاع لمسار الملاحقة، في مقابل التهم التي يورد البيان صدور الإدانة بسببها. ولم تقصر المنظمات مطلبها على إطلاق سراحه، بل طالبت بإلغاء الإدانات الناشئة عن عمله الصحفي وتعبيره السلمي، وإسقاط التهم المعلقة في قضيته الثالثة، ووقف استخدام القوانين الجنائية وتشريعات مكافحة الإرهاب لإسكات الصحافة. ففي هذه الحالة، يدور اعتراضها حول الفعل الذي عوقب عليه الصحفي، لا حول وجود حكم قضائي بحقه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة