انسحاب المينورسو من الصحراء: دلالات استراتيجية وتداعيات مستقبلية


هذا الخبر بعنوان "خروج المينورسو من الصحراء.. الدلالات والانعكاسات" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تطور لافت، أنهت الأمم المتحدة مهمة بعثتها المعروفة بـ"بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية" (مينورسو) في منتصف ليل 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2026. وبعد ساعات قليلة، بدأ سحب أفراد البعثة ومعداتها، تمهيداً لتصفية وجودها في الإقليم. يأتي هذا القرار عقب فشل مجلس الأمن في تجديد ولاية البعثة، نتيجة خلافات أميركية – روسية حادة.
الحدث والخلفيات:
تأسست "مينورسو" عام 1991، بموجب مخطط تسوية هدفه مراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء لتقرير المصير، يحدد مستقبل الصحراء بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب. إلا أن الاستفتاء لم يجرِ قط بسبب خلافات حول أحقية التصويت. وعلى مدار نحو 47 مرة، جُدّدت ولاية البعثة الأممية، أملاً في التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة المزمنة.
في الثلاثين من أكتوبر/ تشرين الأول 2026، قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي يهدف إلى تمديد ولاية البعثة لمدة عام واحد، مع تغيير اسمها إلى "مينوسو" بحذف كلمة "الاستفتاء"، وتبني مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للحل، وإعادة هيكلة وتقليص البعثة. إلا أن هذا المشروع واجه فيتو روسياً، مما أدى إلى سقوطه. في المقابل، تقدمت روسيا بمشروع تمديد تقني بسيط لم يحصل إلا على ثلاثة أصوات، ليُكتب عليه الفشل أيضاً.
مباشرة بعد ذلك، أوضح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن مغادرة البعثة لا تلغي الحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وأن الأمم المتحدة تبقى مستعدة لدعم الحوار عبر المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا. وحذر غوتيريش من خطر التصعيد، داعياً إلى أقصى درجات ضبط النفس.
الدلالات الاستراتيجية:
يحمل قرار إنهاء مهمة "مينورسو" عدة دلالات استراتيجية، أبرزها:
لا يعني هذا نهاية الدور الأممي، بل ضعفه وتضاؤل مصداقيته. فالمبعوث الشخصي سيبقى، والجهود السياسية ستستمر، وإن كان المغرب يرى في الأمر "فرصة لإخراج الملف من أجندة مجلس الأمن".
هل انتهى الاستفتاء؟
يبقى هذا السؤال محورياً في فهم تداعيات القرار. هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية:
لقد سبق التحول نحو الحكم الذاتي قرار الانسحاب، حيث جعل القرار 2797 لسنة 2025 المقترح المغربي أساساً للمفاوضات. وعليه، فإن الاستفتاء الأصلي أصبح أشد تعثراً وأضعف مؤسسياً، لكن إلغاءه نهائياً أو مساواة تقرير المصير بالحكم الذاتي ليسا نتيجة تلقائية للانسحاب.
آثار وترتيبات لدى الأطراف المعنية:
المغرب: رحّب بالأمر بقوة، وعدّه "تطوراً هاماً وخطوة ذات دلالة نحو الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة". أكد المغرب التزامه بوقف إطلاق النار، ورأى أن العملية السياسية الأممية "معلّقة" بسبب مماطلة الأطراف الأخرى. يرى المغرب أن نهاية البعثة تمثل فرصة لتحويلها إلى نهاية للمرحلة التي كانت فيها السيادة معلقة على مسار أممي. لكن النجاح في إزالة مؤسسة لا يعني النجاح في بناء شرعية لتسوية يقبلها الطرف المقابل.
جبهة البوليساريو: أعربت عن قلقها من الجمود، ورأت أن هذه النهاية "غير مقبولة"، وحمّلت المغرب المسؤولية عن أي عواقب على السلم والأمن. هددت الجبهة بالانسحاب من العملية السياسية إذا مر المشروع الأمريكي دون تعديلات جوهرية، وأكدت تمسكها بحق تقرير المصير والاستقلال بجميع الوسائل المشروعة. قد تلجأ الجبهة إلى الضغط من خلال التصعيد، رغم أن انتهاء البعثة لا يمنحها قدرة عسكرية جديدة.
الجزائر: عبرت عن "بالغ الأسف"، وألقت باللوم على "الانحياز المفرط" للمشروع الأمريكي لصالح المغرب. جددت التزامها بحل سياسي عادل يضمن حق تقرير المصير. يواجه هذا التطور استراتيجية الجزائر في الحفاظ على القضية وموقعها الإقليمي بعد ضعف إحدى أدوات إدارتها.
قراءات لمواقف الأطراف الثلاثة:
الاستفتاء ميّت عملياً منذ أعوام، وانتهاء "مينورسو" يكرّس هذه الحقيقة. المسار الدولي السائد يتحرك نحو حل سياسي قائم على الحكم الذاتي المغربي. يبدو هذا القرار في صالح المغرب أكثر، إذ يزيل أداة تدويل الملف ويعزز الوضع القائم. لكنه لا يغلق الملف قانونياً بصورة كاملة، فالأمم المتحدة لا تزال تصنف الإقليم "إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي". كسب المغرب فرصة سياسية أكبر، لكن سحب البعثة لا يمنحه تسوية نهائية. أما البوليساريو والجزائر، فقد خسرتا إطارا مؤسسياً، لكنهما لم تفقدا القدرة على الاعتراض. الخطر الأكبر هو تراجع الوعد القديم بالاستفتاء قبل نشوء اتفاق مشروع وقابل للتنفيذ يحل محله، مما قد يحول الجمود إلى نزاع تقل ضوابطه.
مستقبل التسوية:
يمكن تمييز ثلاثة مسارات للمرحلة القادمة:
نظرياً، يمكن أن يدفع انتهاء الترتيب القديم الأطراف إلى تفاوض جاد. لكن انتهاء البعثة قبل الاتفاق على العناصر الأساسية يضعف شروط التسوية، ويزداد احتمال اختلاف الروايات بشأن الحوادث. وقد حذر الأمين العام بالفعل من خطر تصاعد الأعمال العدائية. إنهاء إدارة النزاع لا يضمن إنهاء النزاع، وهناك خطر ماثل في التصعيد، خاصة مع توقف المراقبة الميدانية.
في الخلاصة، كان سحب البعثة الأممية نتيجة لجمود مجلس الأمن. يجسد هذا التطور الصراع الروسي الأمريكي، ويخدم المغرب سياسياً، ويضع حداً لإطار الاستفتاء الأصلي، دون إنهاء النزاع أو الدور الأممي السياسي بالكامل. ستتحدد تبعات هذه الخطوة بانطلاقاً من كيفية إدارة الانسحاب المنظم، وسلوك الأطراف المعنية، واستمرار جهود المبعوث الشخصي دي ميستورا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة