قطر
سياسة

فلسطينيو الداخل: كيف أحبطوا صعود الصهيونية الدينية المتطرفة؟

الجزيرة٣ نوفمبر ٢٠٢٦ في ١١:٢٨ ص0 مشاهدة
فلسطينيو الداخل: كيف أحبطوا صعود الصهيونية الدينية المتطرفة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "فلسطينيو الداخل وتعطيل عودة الصهيونية الدينية" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على الرغم من موقفي السابق من الانتخابات الإسرائيلية ومشاركة فلسطينيي الداخل فيها، فإن ما جرى في انتخابات الكنيست الـ26 يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 يفرض نقاشًا مختلفًا. فالمشاركة العربية لم تكن تضيف في السنوات الماضية شيئًا يذكر في رسم السياسات الإسرائيلية أو تشكيل الحكومات، باستثناء حالة واحدة هي حكومة نفتالي بينيت التي أدت اليمين في يونيو/حزيران 2021 بالتحالف مع القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، وحينها كان يمكن لعباس استغلال حاجة بينيت له بشكل كبير، لكنه في رأيي لم يفعل.

أما هذه الانتخابات فلها طابع خاص جدًا، فهي الأولى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومنذ إطلاق حرب الإبادة الجماعية التي شنتها حكومة الاحتلال على قطاع غزة، والحرب الشعواء بقيادة تيار الصهيونية الدينية على الضفة الغربية والقدس، والإجراءات غير المسبوقة التي يتعرض لها المسجد الأقصى المبارك منذ تسلم هذه الحكومة الحكم أواخر عام 2022، أي قبل الحرب نفسها.

كانت المصلحة، لا لفلسطينيي الداخل وحدهم وإنما للقضية الفلسطينية والمنطقة كلها، في إبعاد تيار الصهيونية الدينية عن السلطة التنفيذية. فهذا التيار حول إسرائيل إلى ما يشبه دولة حاخامات، وطبق نموذجًا جديدًا يطوع القرار السياسي لخدمة النبوءات الدينية لا العكس، وهو ما ندفع ثمنه في القدس والضفة الغربية. أرى أن الإقبال غير المسبوق لفلسطينيي الداخل على صناديق الاقتراع هذه المرة جاء ردًا على تيار الصهيونية الدينية قبل أن يكون موقفًا من نتنياهو نفسه. فزعيم حزب "القوة اليهودية" إيتمار بن غفير تفاخر في يونيو/حزيران الماضي بأنه هدم 5700 منزل في عام واحد في الأراضي الفلسطينية، وتوعد بهدم المزيد في التجمعات البدوية في منطقة النقب، وقد شهد النقب وحده هدم عشرات المنازل خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي قبيل الانتخابات. وهذا التيار هو الذي دفع نحو قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست في مارس/آذار الماضي بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48، فضلاً عما فعله في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

هذه المشاركة الواسعة بالتالي لا تعني أن القضية عند فلسطينيي الداخل هي الاندماج في الدولة أو المشاركة في سياستها، فالقانون الأساسي "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، الذي أقره الكنيست عام 2018، يغلق الباب أصلاً أمام مساواتهم في الحقوق مع اليهود في إسرائيل. ثم إن إسرائيل انزاحت بكاملها نحو اليمين، وصار الخلاف في نتائج انتخاباتها بين يمين ويمين، وتحول ما بقي من اليسار إلى ديكور في الكنيست، فحزب "الديمقراطيون" الذي يضم حزب العمل، مؤسس الدولة، لم ينل أكثر من 8 مقاعد. لذلك لم تكن قيمة المشاركة العربية هذه المرة تكمن في مدى قدرتها على التأثير على السياسة الإسرائيلية أو دخول الحكومة، وهو ما يمنعه القانون وطبيعة النظام والمجتمع الإسرائيلي معًا، وإنما تكمن في القدرة على التعطيل. فتيار الصهيونية الدينية يرى في نتنياهو مفتاحه الوحيد إلى الحكم بعدما رفضته بقية التيارات رفضًا قاطعًا. ونتنياهو هو الشريك الأنسب لهذا التيار لأنه يحتاج للبقاء في رئاسة الوزراء كي يحمي نفسه من المحاكمة والسجن، وقد رأينا خلال السنوات الأربع الماضية كيف كان سموتريتش وبن غفير يبتزانه في كل موقف يحتاجهما فيه، ويهددان ببساطة بإسقاط حكومته، والتي يعني سقوطها ذهابه إلى السجن، أما غادي آيزنكوت فلا يحتاج هذا التيار بالطريقة نفسها. وهو، للتذكير، رجل يميني، وهو صاحب "عقيدة الضاحية" التي أعلنها عام 2008 وما زالت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعمل بها في التدمير الشامل في غزة وجنوب لبنان، وقد قدم نفسه شخصية "وطنية" فقدت ابنها "غال" في مخيم جباليا بغزة في ديسمبر/كانون الأول 2023، ولذلك يستبعد أن ينجح هذا التيار في ابتزازه كما ابتز نتنياهو بورقة السجن.

من هنا كانت المصلحة، لا لفلسطينيي الداخل وحدهم وإنما للقضية الفلسطينية والمنطقة كلها، في إبعاد تيار الصهيونية الدينية عن السلطة التنفيذية. فهذا التيار حول إسرائيل إلى ما يشبه دولة حاخامات، وطبق نموذجًا جديدًا يطوع القرار السياسي لخدمة النبوءات الدينية لا العكس، وهو ما ندفع ثمنه في القدس والضفة الغربية. نسبة تصويت فلسطينيي الداخل التي وقفت عند 53.2% عام 2022 قفزت هذه المرة إلى ما بين 76.6% و80% بحسب التقديرات المنشورة، ونالت القائمتان المشتركة والموحدة قرابة 840 ألف صوت بزيادة 64%، فحصلتا على 19 مقعدًا من أصل 120، أي نحو 15.8% من الكنيست، بعد أن كانت المقاعد العربية 10 فقط. وكان هذا التيار يعمل بدأب على التحول إلى دولة عميقة: سموتريتش بين مستوطني الضفة، وقد سجل صوته في يونيو/حزيران 2024 وهو يشرح "النظام المدني المنفصل" الذي أنشأه لنقل الصلاحيات من الجيش إليه، قائلًا إن "مثل هذه التغييرات تغير الحمض النووي للنظام"، وبن غفير في القدس والمسجد الأقصى وفي تسليح المستوطنين. ودخل نتنياهو هذه الانتخابات مراهنًا على تفويض شعبي يواصل به النهج نفسه بصورة أعنف في غزة ولبنان وسوريا وإيران، وأكثر ما يتأثر بذلك القدس والمسجد الأقصى، خاصة أن الرؤية المسيحانية تجاوزت الصهيونية الدينية إلى أحزاب حريدية في الحكومة، حيث انتشر مقطع فيديو لأرييه درعي -زعيم شاس- خلال الانتخابات يحث فيه أتباعه على التصويت لأنها "آخر انتخابات قبل قدوم المسيح".

الأرقام وحدها تكشف حجم ما جرى؛ فنسبة تصويت فلسطينيي الداخل التي وقفت عند 53.2% عام 2022 قفزت هذه المرة إلى ما بين 76.6% و80% بحسب التقديرات المنشورة، ونالت القائمتان المشتركة والموحدة قرابة 840 ألف صوت بزيادة 64%، فحصلتا على 19 مقعدًا من أصل 120، أي نحو 15.8% من الكنيست، بعد أن كانت المقاعد العربية 10 فقط. في المقابل تراجعت كتلة نتنياهو من 64 مقعدًا عام 2022 إلى 53، بينما حافظ حزبا الصهيونية الدينية والقوة اليهودية على 13 مقعدًا مقابل 14 في الانتخابات السابقة، أي أن قاعدة هذا التيار بقيت ثابتة ولم تتآكل تقريبًا. ولنتخيل أن فلسطينيي الداخل غابوا عن الكنيست، ووزعت مقاعدهم الـ19 على الأحزاب التي تجاوزت العتبة الانتخابية حسب نسبة مقاعدها، أي بضرب مقاعد كل حزب في 120 وقسمة الناتج على 101، وهي المقاعد المتبقية بعد طرح المقاعد العربية. عندها يرتفع الليكود من 27 إلى نحو 32 مقعدًا، و"يشار" بقيادة آيزنكوت من 21 إلى نحو 25، و"معا" بقيادة بينيت من 12 إلى 14، و"الديمقراطيون" من 8 إلى 10، والصهيونية الدينية وشاس من 6 إلى 7 لكل منهما، ويصل كل من القوة اليهودية ويهدوت هتوراه وإسرائيل بيتنا إلى 8 مقاعد، ويأخذ أحدها مقعدًا تاسعًا. والنتيجة أن كتلة نتنياهو تقفز من 53 إلى 63 مقعدًا، مقابل 57 لكتلة آيزنكوت، أي أغلبية مريحة يعيد بها نتنياهو تشكيل حكومته مع سموتريتش وبن غفير بالكامل ودون حاجة إلى أي اصطفاف آخر، ويعدها بالتالي تفويضًا لنهجه في الحكم. صحيح أن هذا حساب تقريبي بالمقاعد لا بالأصوات، لأن القانون الإسرائيلي يوزع المقاعد بطريقة "بادر-عوفر" واتفاقات فائض الأصوات، لكن الفارق بين الطريقتين لا يكفي على الأرجح لإنزال الكتلة عن 61 مقعدًا.

بهذه الحسبة نفهم السعار الذي أصاب نتنياهو وسموتريتش وبن غفير ضد فلسطينيي الداخل. فالتيار الذي يرى في الجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر أحد أهم أعدائه الداخليين حاول منعها من الترشح أصلاً، إذ قررت لجنة الانتخابات المركزية في سبتمبر/أيلول الماضي، بطلب من الليكود والقوة اليهودية، شطب القائمتين المشتركة والموحدة، قبل أن تلغي المحكمة العليا القرار بالإجماع في 2 أكتوبر/تشرين الأول. وبعد النتائج اتهم الليكود الأحزاب العربية بسرقة الانتخابات، وقدم رئيس الشاباك ديفيد زيني، الذي يتبع تيار الصهيونية الدينية بالمناسبة، معلومات عن تمويل خارجي مزعوم للتأثير على التصويت العربي، فأمر القاضي نوعام سولبرغ رئيس لجنة الانتخابات بالتحقيق فيها. ولعل هذا أوضح دليل على امتداد نفوذ هذا التيار إلى الأجهزة الأمنية، وعلى أن نتنياهو استفاد من تجربة صديقه دونالد ترمب في التشكيك بنتائج الانتخابات.

من يقول إن هذه المشاركة لم تفد الفلسطينيين في شيء، وإنها مجرد "ديكور"، لأن آيزنكوت ونتنياهو يعملان الآن على تشكيل حكومة صهيونية بعيدة عن الأحزاب العربية، فإنه يغفل أن هذا السلوك نفسه يزيد عزلة إسرائيل ولا يجمل صورتها. وبصفتي هنا كاتبًا فلسطينيًا لا يحمل الجنسية الإسرائيلية، يحق لي أن أقول إن أهلنا في الداخل جزء من الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، وإن كان احتلالًا من نوع آخر ثقافي واقتصادي واجتماعي، إلى جانب احتلال الأرض. فما زال مهجرون من حملة الجنسية الإسرائيلية عاجزين عن الوصول إلى قراهم الأصلية، كحال بعض أهالي صرفند في قضاء حيفا الذين يسكنون اليوم جسر الزرقاء، ومهجري قرى الجليل الأعلى الذين نزحوا إلى قرى مجاورة. ولكل جزء من الشعب الفلسطيني نصيبه من مقاومة الاحتلال، وما فعله الشباب والجمهور في الداخل كان شكلاً من أشكال هذه المقاومة عبر تعطيل قدرة الاحتلال على التحكم السياسي. أما من يقول إن هذه المشاركة لم تفد الفلسطينيين في شيء، وإنها مجرد "ديكور"، لأن آيزنكوت ونتنياهو يعملان الآن على تشكيل حكومة صهيونية بعيدة عن الأحزاب العربية، فإنه يغفل أن هذا السلوك نفسه يزيد عزلة إسرائيل ولا يجمل صورتها. فالعالم بات يرى أن هم الساسة الإسرائيليين اليوم تشكيل حكومة لا تستند إلى دعم عربي ولو من خارجها؛ فأفيغدور ليبرمان لا يقبل إلا ائتلافًا من "الأحزاب الصهيونية فقط"، وآيزنكوت يقول إن الأحزاب العربية "لم تستوف شروطه"، ونتنياهو يصف التعاون معها بأنه "عار"، ويقود حملة غير مسبوقة لشيطنة الصوت العربي تشبه تفرقة ترمب بين الأمريكيين البيض وغيرهم. ويكتمل المشهد حين يعرف العالم أن المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس، وعددهم نحو 700 ألف، يقترعون في هذه الانتخابات بينما لا صوت لقرابة 3 ملايين فلسطيني في الضفة، ولا يحق لفلسطينيي القدس من حملة الإقامة الدائمة التصويت للكنيست. وهذه المفارقة التي لخصها كريم جبران من منظمة بتسيلم الإسرائيلية بقوله إن في إسرائيل "ربما ديمقراطية، لكن لليهود فقط". إن لمقاومة الاحتلال أشكالًا مختلفة، وتعطيل الحياة السياسية الإسرائيلية في هذه المرحلة بالذات واحد منها. ولا يعني ذلك أن المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية صارت خيارًا دائمًا، فما صح في هذه الانتخابات قد لا يصح في غيرها، وإنما يعني أن فلسطينيي الداخل قرأوا اللحظة جيدًا، فحرموا نتنياهو والصهيونية الدينية من التفويض الذي جاؤوا يطلبونه. الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شارك الخبر: