السينما تسلط الضوء على حياة صحفيي غزة: شهادات من قلب الحرب


هذا الخبر بعنوان "صحفيو غزة أمام الكاميرا.. حين توثق السينما حياة من يوثقون الحرب" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما واجه الصحفيون في غزة مخاطر جمة، إلا أن دورهم اكتسب بُعداً بطولياً في السنوات الثلاث الأخيرة، حيث لولا جهودهم لما وصلت صور الحرب الإسرائيلية وتفاصيل الحياة والموت إلى العالم بهذه الكثافة، خاصة وأنهم جزء لا يتجزأ من المأساة التي ينقلونها. خلف الصور المألوفة في نشرات الأخبار وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تكمن حكايات هؤلاء الصحفيين التي غالباً ما تفتقر إلى المساحة الكافية في التغطيات الإخبارية.
في السنوات الأخيرة، اتجهت مجموعة من الأفلام الوثائقية إلى التركيز على حياة الصحفيين في غزة. من بين هذه الأعمال فيلم "المواطن أسامة" (Citizen Osama) للمخرج الفلسطيني أحمد حسونة، وفيلم "ضع روحك على كفك وامش" (Put Your Soul on Your Hand and Walk) للمخرجة الإيرانية سبيده فارسي، وفيلم "عيون غزة" (Eyes of Gaza) للمخرج محمود أتاسي. رغم اختلاف أساليبها السينمائية، تتفق هذه الأفلام على تحويل الصحفي من مجرد موثق لحياة الآخرين إلى شخصية رئيسية تكشف الكاميرا تفاصيل حياته، مخاوفه، وعلاقاته الإنسانية، سعياً لتقديم صورة تتجاوز هويته المهنية.
الإنسان خلف الكاميرا:
اعتاد الجمهور رؤية الصحفيين الفلسطينيين وهم يرتدون ستراتهم الواقية ويتحدثون أمام الكاميرات وسط الدمار وأصوات القصف، لتصبح هذه الصورة جزءاً مألوفاً من التغطية اليومية للحرب. لكن الأفلام الوثائقية التي تتناول حياتهم تسعى لتجاوز هذه الصورة النمطية، وكشف جوانب شخصية نادراً ما تظهر في العمل الإخباري.
في فيلم "المواطن أسامة"، يتابع المخرج أحمد حسونة المصور الصحفي أسامة العشي، الذي يحاول الموازنة بين عمله في توثيق الحرب ومسؤولياته الأسرية، خاصة بعد أن أصبح أباً للمرة الأولى. يُظهر الفيلم بحثه عن ضروريات الحياة لطفله ومواجهته لمخاوف والديه، مع الحفاظ على مساحة للفكاهة والمواقف اليومية التي تكشف شخصيته بعيداً عن جدية العمل الصحفي. أسامة هنا ليس بطلاً مثالياً، بل إنسان عادي يسعى للاستمرار في حياته رغم الظروف الاستثنائية.
تتجلى رغبة استعادة الحياة الشخصية بشكل مختلف في فيلم "ضع روحك على كفك وامش"، حيث تتعرف المخرجة سبيده فارسي على المصورة الصحفية فاطمة حسونة عبر مكالمات الفيديو المتكررة. تتسع أحاديثهما لتشمل الشعر، الطعام، أحلام السفر، وتفاصيل الحياة اليومية، مانحةً ابتسامة فاطمة وروحها المرحة حضوراً إنسانياً لا يقل أهمية عن شهادتها على الحرب.
أما فيلم "عيون غزة"، فيوسع هذه النظرة لتشمل ثلاثة صحفيين فلسطينيين، يتابعهم الفيلم في عملهم ولحظات راحتهم وسعيهم لتلبية احتياجاتهم الأساسية. تكشف هذه التفاصيل أن الصحفي الذي ينقل المعاناة يعيش الظروف نفسها، وهو أمر قد يغفل عنه الكثير من المتابعين.
عندما تفرض الحرب شكل الفيلم:
فرضت الحرب شروطها على صناعة هذه الأفلام وغيرها التي تتناول قصص صحفيي غزة، بدءاً من قدرة المخرج على الوصول إلى الشخصيات وصولاً إلى الوسائل المستخدمة في التصوير. يتضح ذلك في فيلم "ضع روحك على كفك وامش"، حيث لم تتمكن المخرجة من دخول غزة، فلجأت إلى مكالمات الفيديو مع فاطمة حسونة، التي شكلت المادة الأساسية للفيلم. على مدار عام تقريباً، أصبحت شاشة الهاتف نافذة المخرجة على حياة فاطمة، بينما كشفت جودة الصورة المحدودة وانقطاعات الاتصال عن المسافة التي تفصل بينهما وهشاشة التواصل مع شخص يعيش تحت القصف.
اكتسبت هذه التسجيلات دلالة مأساوية بعد استشهاد فاطمة حسونة مع عدد من أفراد أسرتها في غارة إسرائيلية بتاريخ 16 أبريل/نيسان 2025، بعد يوم واحد من إعلان اختيار الفيلم للعرض في مهرجان كان.
واجه المخرج محمود أتاسي صعوبات مشابهة في صناعة "عيون غزة"، لكنه اختار معالجة مختلفة، حيث أدار التصوير عن بعد بالتعاون مع مصور داخل القطاع، مستخدماً معدات محدودة وكاميرات قديمة. سمح هذا الأسلوب بمرافقة الصحفيين في عملهم وتحركاتهم اليومية.
تُعد الظروف الاستثنائية للحرب جزءاً أساسياً من اللغة السينمائية لهذين الفيلمين، حيث لم تعد تفاصيل مثل زاوية التصوير أو نوع العدسة أو الإضاءة هي الأدوات التي يتحكم بها المخرج، بل أصبحت إمكانية تسجيل الحياة في لحظة مهددة بالانقطاع هي ما يفرض شكل الفيلم وطريقة سرده.
من نقل الأخبار إلى حفظ الذاكرة:
تكمن الأهمية الحقيقية لهذه الأفلام في حفظ شهادات وتجارب الصحفيين الفلسطينيين الشخصية، في وقت يتعرض فيه الصحفيون أنفسهم للقتل، وتصبح إمكانية استمرارهم في التوثيق مهددة باستمرار. يتضح هذا الدور بشكل خاص في فيلم "ضع روحك على كفك وامش"، الذي تحول بعد استشهاد فاطمة حسونة إلى سجل مصور لعام من حياتها. تحتفظ مكالمات الفيديو بصوتها وضحكاتها وأحاديثها عن المستقبل، وتمنح صورها الفوتوغرافية المشاهد فرصة لرؤية غزة بعينيها، تاركةً جزءاً أصيلاً من عملها الصحفي ورؤيتها الشخصية للعالم.
في فيلمي "عيون غزة" و"المواطن أسامة"، تكتسب متابعة الصحفيين أثناء عملهم أهمية إضافية، لأنها تسجل الظروف التي أنتجت فيها الصور والتقارير الصحفية، وهي تفاصيل لا تصل عادة إلى الجمهور مع الخبر المنشور. يوثق الفيلمان ما اضطر الصحفيون لمواجهته حتى يتمكنوا من نقل شهاداتهم.
تضيف السينما الوثائقية بهذه الطريقة بعداً مختلفاً للتغطية الإخبارية، لتصبح جزءاً من ذاكرة الحرب، وتحتفظ بحكايات الأشخاص الذين خاطروا بحياتهم كي تصل تلك الصور إلى العالم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
عاجل