صناديق الاقتراع تفاجئ الجميع: لماذا أخطأت استطلاعات الانتخابات الإسرائيلية؟


هذا الخبر بعنوان "صناديق الاقتراع تربك الشاشات.. لماذا أخطأت استطلاعات الانتخابات الإسرائيلية؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشفت انتخابات الكنيست الإسرائيلي، التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن خلل في قدرة مؤسسات استطلاع الرأي على استشراف التوجهات الانتخابية، حيث خالفت النتائج الفعلية توقعات معظم الاستطلاعات والقنوات التلفزيونية، سواء تلك التي رجحت تقدم المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، أو التي توقعت حصول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أغلبية برلمانية. وأعادت مفاجآت تصويت الليكود والمجتمع العربي الجدل حول موثوقية الاستطلاعات، وتأثير الانقسام السياسي والإعلامي في نتائجها، وسط تباين آراء الخبراء حول أسباب هذا الإخفاق، ودور الناخبين المترددين والعينات الإلكترونية في تشكيل صورة انتخابية ابتعدت عن الواقع.
انقلاب الأرقام
أظهرت نتائج الانتخابات، التي أعلنت لجنة الانتخابات المركزية اكتمال فرزها يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدا، مقابل 48 لمعسكر المعارضة الصهيونية و19 للقائمتين العربيتين، مع تسجيل نسبة مشاركة بلغت 77.9%، وهي الأعلى منذ انتخابات عام 1999. وكانت مراسلة القناة 13 آيا أيلون قد نقلت -في تقرير نُشر يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول- نتائج فرز متقدمة، أظهرت حصول الليكود على 27 مقعدا مقابل 21 لحزب "يشار" بقيادة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، و12 لحزب "بيحاد" بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، في حين حصدت القائمة المشتركة 11 مقعدا والقائمة العربية الموحدة "رعام" 8 مقاعد. وأبقت النتائج كلا من معسكر نتنياهو ومعسكر آيزنكوت دون أغلبية منفردة تبلغ 61 مقعدا، وهي الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
وكشفت مقارنة عينات الخروج الأولية، التي نُشرت عند إغلاق مراكز الاقتراع الساعة العاشرة مساء يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول، عن فارق بلغ 10 مقاعد بين أعلى تقدير وأدناه لمعسكر نتنياهو، وليس بين كل تقدير والنتيجة الفعلية؛ إذ منحته قنوات كان 11 و12 و13 نحو 50 مقعدا، مقابل 60 في القناة 14، و55 في "آي 24 نيوز"، و53 في القناة 16. وأوضحت الصحفية ياسمين غويتا -في تحقيق نشرته الصحيفة الاقتصادية "ذا ماركر" بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026- أن القنوات الرئيسية قدمت طوال الحملة صورة رجحت تقدم المعارضة، في حين توقعت القناة 14 أغلبية يمينية. لكن المفارقة أن القناة 14، التي توقعت في آخر استطلاعاتها حصول معسكر نتنياهو على 62 مقعدا، بالغت أيضا في تقدير قوته بتسعة مقاعد، بينما اقتربت تقديرات القناتين 15 و16 من خريطة الكتل الفعلية.
مفاجأة الليكود
برزت المفاجأة الأكبر في قدرة الليكود على تجاوز تقديرات منحته بين 19 و21 مقعدا في الاستطلاعات الأخيرة للقنوات الرئيسية، وصولا إلى 27 مقعدا، في حين اقتربت استطلاعات "آي 24 نيوز" من حجمه الفعلي. وأقر الباحث والمحلل السياسي المسؤول عن استطلاعات القناة 13 شموئيل روزنر -في مقابلة أجراها روعي ألمان ونشرها موقع "يديعوت أحرونوت" في 28 أكتوبر/تشرين الأول- بأن قوة الليكود شكلت المفاجأة الأساسية، قائلا "قوة الليكود أمر لم نره في الاستطلاعات". وفي مقال نشرته "معاريف" يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول، كشف روزنر أن الاستطلاعات التي أجراها فريقه خلال اليومين السابقين للانتخابات، وحُظر نشرها، لم ترصد أيضا القوة التي حققها الليكود. ويضع هذا الكشف فرضية حدوث تحول مفاجئ في الساعات الأخيرة موضع شك؛ إذ يرجح روزنر وجود خلل في اختيار العينات أو ترجيح نتائجها، أكثر من انتقال انتخابي واسع إلى الليكود يوم الاقتراع.
الناخبون المترددون
أشار الصحفي تومر شماي -في تحقيق نشرته "غلوبس" بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول- إلى أن نسبة المترددين تراوحت بين 10 و15% من الناخبين، وأن جزءا كبيرا منهم ينتمي إلى معسكر اليمين. وأوضح رؤوفين هراري، الباحث في معهد "هغال هحداش"، أن بعض الناخبين يحسمون خياراتهم عند صناديق الاقتراع، في حين توزع بعض شركات الاستطلاع المترددين وفق تفضيلات بقية المستجيبين، وهو ما قد يقلل تقديرات الأحزاب التي يتركز المترددون بين مؤيديها. وفسر تسوريئيل شارون -مؤسس شركة "دايركت بولس" والمسؤول عن استطلاعات "آي 24 نيوز"- هذه الظاهرة بتمسك الناخبين بانتماءاتهم السياسية القديمة، حتى عندما يعبّرون عن غضبهم من الحزب الذي اعتادوا انتخابه. وقال شارون -في حديث نقلته مايا رومان ونشرته "هآرتس" بتاريخ 30 أكتوبر/تشرين الأول- إن الليكود كان يفقد التأييد، لكن هذا التراجع له حد أدنى مرتبط بالهوية السياسية للناخبين. ويرى شارون أن بعض مؤسسات الاستطلاع بالغت في تقدير انتقال الناخبين إلى المعارضة، في حين قللت القناة 14 من حجم الغضب على الحكومة داخل جمهورها التقليدي.
المفاجأة العربية
شكّل ارتفاع التصويت العربي مفاجأة ثانية، بعدما حصلت القائمة المشتركة والقائمة الموحدة على 19 مقعدا، مقابل توقعات تراوحت بين 14 و16 مقعدا في الاستطلاعات الأخيرة. وكان يوسف مقلدة، مدير معهد "ستات نت" المتخصص في استطلاعات المجتمع العربي، قد توقع مشاركة تتراوح بين 68% و69%، مقارنة بنحو 53% عام 2022. وأوضح -في تقرير نشره الصحفي شاحر إيلان في كالكاليست بتاريخ 22 أكتوبر/تشرين الأول- أن تصاعد الجريمة والعنف وسياسات الحكومة حفز قطاعات واسعة على التصويت. لكن مقلدة قدّر حصول القائمتين على 15 أو 16 مقعدا، وهو ما يكشف أن رصد ارتفاع المشاركة كان أقرب إلى الواقع من تقدير انعكاساتها على توزيع المقاعد. وكشف روزنر في مقاله بمعاريف، يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول، أنه والمستشار الإحصائي للقناة 13 البروفيسور ديفيد شتاينبرغ اختارا تقدير 16 مقعدا للقائمتين، رغم امتلاكهما معطيات من مقلدة تسمح بتقدير 17 مقعدا. وتوضح هذه الحالة كيف يمكن للقرارات التحليلية عند تحويل المعطيات إلى مقاعد أن تزيد الفجوة بين البيانات المتاحة والتوقعات المنشورة.
خلل العينات
وجه البروفيسور مايكل جلعاد، الباحث في كلية العلوم النفسية بجامعة تل أبيب، انتقادات حادة للمنهجيات المستخدمة في الاستطلاعات الإسرائيلية، وخصوصا الاعتماد على مجموعات إلكترونية ينضم إليها المشاركون طوعا مقابل مكافآت رمزية. وأوضح -في تحقيق مايا رومان المنشور بصحيفة هآرتس يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول- أن هذه الطريقة "تنتهك المبدأ المنهجي الأساسي لإجراء الاستطلاعات"، لأن اختيار المشاركين ذاتيا يصعّب ضمان تمثيلهم الحقيقي للمجتمع. وأضاف أنه وجد انحرافات متشابهة في استطلاعات القنوات 11 و12 و13 ومعاريف عبر دورات انتخابية متعددة، رغم اختلاف المؤسسات التي تنشرها. في المقابل، دافع أستاذ الإحصاء بجامعة تل أبيب والمستشار الإحصائي للقناة 13 البروفيسور ديفيد شتاينبرغ -في التحقيق نفسه- عن استخدام المنصات الإلكترونية، مشيرا إلى أن الاستطلاعات الهاتفية تواجه استجابة شديدة الانخفاض، وأن الباحثين يستخدمون بيانات المشاركين لتصحيح الانحرافات. وأثار جلعاد أيضا قضية نشر الاستطلاعات بهوامش خطأ توحي بدقة لا تسمح بها العينات غير العشوائية. كما تقدم بالتعاون مع البروفيسور ليئور شيفر بطلب إلى لجنة الانتخابات لتعزيز شفافية الإفصاح عن تصميم العينات ومنهجيات ترجيحها.
لماذا أخطأت عينات الخروج من الصناديق؟
واجهت عينات الخروج من الصناديق، التي تستطلع خيارات ناخبين أدلوا بأصواتهم بالفعل، صعوبات مختلفة عن استطلاعات ما قبل الانتخابات. فقد شرح إيتام ألمدون، في تقرير للقناة 12 بتاريخ 27 أكتوبر/تشرين الأول، أن معهد "ميدغام" بقيادة منو غيفاع اختار 70 مركز اقتراع من نحو 13 ألف مركز، وطُلب من الناخبين إعادة تمثيل تصويتهم سرا بعد مغادرة الصناديق. لكن بعض الناخبين يرفضون المشاركة، في حين يقدم آخرون إجابات مختلفة عن تصويتهم الفعلي، مما يستدعي معالجة إحصائية للانحرافات. وأوضحت غويتا في "ذا ماركر" أن القناة 16 استخدمت 85 مركز اقتراع، في حين اعتمدت "آي 24 نيوز" نموذجا رقميا أوسع، وهو اختلاف يفسر جزئيا تباين النتائج الأولية. وتجاوز الجدل المنهجيات إلى العلاقة بين الاستطلاعات والإعلام، بعدما انتقد تحقيق "ذا ماركر" انخراط معلقي القناة 14 في الدعوة إلى التصويت لليمين يوم الاقتراع. ومع ذلك، أشار روزنر إلى أن الاستطلاعات رصدت تحولات مهمة، منها تراجع شاس، وصعود آيزنكوت على حساب بينيت، وصعوبة عبور قوائم صغيرة عتبة الحسم، واستمرار عجز المعسكرين عن بلوغ 61 مقعدا. وفي المحصلة، تشير التحليلات الأولية للخبراء إلى تداخل عوامل محتملة، تشمل أخطاء تمثيل الناخبين وقصور نماذج الترجيح وتقدير المشاركة والتعامل مع المترددين، دون أن تكون الأهمية النسبية لكل عامل قد حُسمت بمراجعة إحصائية شاملة. كما أسهم تقديم بعض التقديرات الإعلامية بوصفها نتائج شبه محسومة في تضخيم وقع المفاجأة. وأظهرت المفاجآت أن قراءة المجتمع الإسرائيلي تتطلب فهما أعمق لهوياته وانقساماته، وشفافية أكبر في منهجيات الاستطلاع وحدود دقتها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة