قطر
صحة

ثقافة

الجزيرة١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٦:١٦ ص0 مشاهدة
ثقافة

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""الرجل لا يشتكي".. عندما تتحول ثقافة التحمل إلى خطر على صحة الرجال" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُعدّ مقولة "الرجل لا يشتكي" من العبارات المتجذرة في بعض المجتمعات، والتي قد تدفع الرجال إلى إخفاء أعراضهم الصحية وتأجيل زيارة الطبيب، مما يحول سلوك التحمل إلى خطر داهم على صحتهم. ومع حلول شهر نوفمبر/تشرين الثاني، تعود حملة "موفمبر" العالمية لتسليط الضوء على هذه الظاهرة، وتطرح تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء تردد الرجال في الاهتمام بصحتهم.

قد يعاني الرجل من آلام متكررة، أو ملاحظة تغيرات جسدية، أو إرهاق مستمر، لكنه غالبا ما يقنع نفسه بأنها مجرد أعراض عابرة ستزول مع الوقت. قد تمر أسابيع أو أشهر قبل أن يقرر أخيرا طلب المساعدة الطبية، وأحيانا لا يحدث ذلك إلا عندما تصبح الأعراض شديدة أو تؤثر بشكل مباشر في حياته اليومية.

هذا السلوك ليس حكرا على مجتمع معين أو جميع الرجال، ولكنه يمثل ظاهرة صحية تستدعي الاهتمام، خاصة وأن بعض الأمراض المزمنة والخطيرة يمكن أن تتطور لسنوات دون أن تظهر عليها أعراض واضحة. وتشير بيانات أمريكية حديثة إلى وجود فجوة في الارتباط المنتظم بالخدمات الصحية بين الرجال مقارنة بالنساء، مما يثير تساؤلات حول أسباب هذه الفجوة ونتائجها.

مع اقتراب "موفمبر"، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في علاقة الرجال بصحتهم، وفي الأفكار الاجتماعية التي قد تجعل طلب المساعدة الطبية يبدو علامة ضعف بدلا من كونه سلوكا مسؤولا وضروريا.

موفمبر: عندما أصبح الشارب رمزا لصحة الرجل

بدأت حركة "موفمبر" في أستراليا عام 2003، عندما قررت مجموعة من الرجال إطلاق مبادرة تقوم على إطلاق الشوارب خلال نوفمبر/تشرين الثاني بهدف إثارة النقاش حول صحة الرجال. ومع مرور السنوات، تحولت المبادرة إلى حركة عالمية تهتم بالتوعية وتمويل الأبحاث والبرامج الصحية، مع التركيز على سرطان البروستاتا، وسرطان الخصية، والصحة النفسية والوقاية من الانتحار.

الأهمية الحقيقية لهذه المبادرة تكمن في رسالتها: صحة الرجل لا ينبغي أن تكون موضوعا مسكوتا عنه، ولا ينبغي أن يقتصر الاهتمام بها على ظهور المرض.

لماذا يتردد بعض الرجال في زيارة الطبيب؟

تردد بعض الرجال في زيارة الطبيب هو سلوك معقد تتداخل فيه اعتبارات نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، وتتأثر بالتصورات السائدة عن الرجولة والقوة والاستقلالية. وتشير دراسات إلى أن إحجام بعض الرجال عن طلب الرعاية الطبية لا يرتبط بالخوف من المرض فحسب، بل يتأثر أيضا بالمعايير الاجتماعية المرتبطة بالرجولة، وضغوط العمل، ومواقف المحيط الاجتماعي من طلب المساعدة.

لا تقتصر هذه الظاهرة على الأمراض الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية. فقد كشفت دراسة نُشرت عام 2020 أن نسبة قليلة جدا من الرجال الذين يعانون أعراض اكتئاب متوسطة الشدة كانوا يتلقون مساعدة نفسية متخصصة، وارتبط ضعف الإقبال على طلب المساعدة بعوامل عدة، أبرزها التردد في الإفصاح للطبيب عن المعاناة النفسية، والاعتقاد بضرورة مواجهة المشكلات بصورة فردية، وقلة المعرفة بطبيعة العلاج النفسي وفوائده.

أبرز العوامل التي تسهم في تأخير زيارة الطبيب:

  • ثقافة الرجولة المرتبطة بالتحمل والصمت: ينشأ الفتى على عبارات من قبيل "الرجل لا يشتكي"، مما يجعله يرى في التعبير عن الألم أو الاعتراف بالمرض نوعا من الضعف.
  • الخوف من اكتشاف مرض خطير: يتجنب بعض الرجال الفحص خشية اكتشاف إصابتهم بأمراض مثل السرطان أو أمراض القلب، مما يؤجل مواجهة احتمال لا يرغبون في التفكير فيه.
  • الخجل من بعض المشكلات الصحية: قد يجد بعض الرجال حرجا في مناقشة مشكلات صحية تمس جوانب يعتبرونها شديدة الخصوصية، مثل ضعف الانتصاب أو اضطرابات التبول.
  • ضغوط العمل والمسؤوليات الاقتصادية: ساعات العمل الطويلة، وصعوبة الحصول على إجازة، وارتفاع تكاليف الاستشارات والفحوص، كلها عوامل قد تدفع بعض الرجال إلى تأجيل زيارة الطبيب.

أمراض صامتة قد تتطور دون إنذار

يعتقد البعض خطأ أن غياب الأعراض يعني بالضرورة صحة جيدة. لكن الواقع أن عددا من الاضطرابات قد يتطور تدريجيا دون أن تظهر أعراض واضحة، مثل:

  • ارتفاع ضغط الدم
  • السكري من النوع الثاني
  • اضطرابات الكوليسترول والدهون
  • أمراض الكلى المزمنة
  • بعض أنواع السرطان (مثل سرطان القولون والمستقيم أو سرطان البروستاتا)

لهذا، فإن الفحوص الوقائية مهمة، ويجب اختيارها وفقا للعمر وعوامل الخطورة والتاريخ العائلي والأدلة العلمية.

متى يحتاج الرجل إلى الفحص؟

لا ينبغي أن ينتظر الرجل ظهور الأعراض كي يبدأ الاهتمام بصحته. فالطب الوقائي يقوم على تحديد عوامل الخطورة والكشف عن بعض الأمراض قبل ظهور مضاعفاتها. وتختلف الفحوص المناسبة بحسب العمر والتاريخ العائلي ونمط الحياة والحالة الصحية، وتشمل:

  • قياس ضغط الدم
  • فحص السكري
  • تقييم الكوليسترول وخطر أمراض القلب
  • الكشف المبكر عن سرطان القولون والمستقيم
  • الكشف عن سرطان البروستاتا (بقرار فردي بعد مناقشة الفوائد والأضرار)
  • الكشف عن سرطان الرئة (للمدخنين بشروط محددة)

بالإضافة إلى تقييم الصحة النفسية، ومراجعة حالة التطعيمات، ومناقشة عادات النوم والنشاط البدني والتدخين.

إشارات تحذيرية لا ينبغي تجاهلها

رغم أن بعض الأمراض قد تتطور دون أعراض، فإن الجسم يرسل أحيانا إشارات تستحق الانتباه، منها:

  • ألم الصدر أو الشعور بالضغط عليه
  • ضعف مفاجئ في أحد الأطراف أو اضطراب الكلام أو تدلي الوجه
  • فقدان الوزن غير المبرر
  • وجود دم في البول أو البراز
  • تغيرات مستمرة في التبول
  • ظهور كتلة أو تغير جديد في إحدى الخصيتين
  • التعب المستمر أو ضيق التنفس غير المعتاد
  • الحزن المستمر أو فقدان الاهتمام بالحياة

الصحة النفسية: ما يفضّل الرجال الصمت عنه

غالبا ما يتجه الاهتمام عند الحديث عن صحة الرجل إلى الأمراض الجسدية، بينما تحظى الصحة النفسية باهتمام أقل. فقد يواجه الرجل القلق أو الاكتئاب دون أن يطلب المساعدة، إما لأنه لا يتعرف إلى الأعراض، أو لأنه يخشى نظرة المجتمع، أو لأنه يعتقد أن عليه حل جميع مشكلاته بنفسه. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن التصورات التقليدية للرجولة قد تعيق طلب المساعدة النفسية.

الرسالة التي ينبغي ترسيخها هي أن طلب المساعدة النفسية ليس اعترافا بالفشل، تماما كما أن استشارة طبيب القلب عند ظهور أعراض مقلقة لا تعني ضعف الشخصية. فالصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة.

الوقاية تبدأ قبل دخول عيادة الطبيب

جزء كبير من المخاطر الصحية يرتبط بعوامل يمكن تعديلها، مثل التدخين والخمول البدني والنظام الغذائي غير المتوازن. ويمكن للنشاط البدني المنتظم، والمحافظة على وزن مناسب، وتناول غذاء متوازن، والامتناع عن التدخين، أن تقلل مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة.

لكن الوقاية لا تعني ضمان عدم الإصابة بالمرض. فقد يصاب أشخاص يتبعون أنماط حياة صحية بأمراض لأسباب وراثية أو بيولوجية أو بيئية خارجة عن سيطرتهم. ولهذا، يجب ألا تتحول الدعوة إلى الوقاية إلى تحميل المرضى مسؤولية إصابتهم بالأمراض، بل إلى تمكينهم من اتخاذ قرارات صحية أفضل.

الرجولة لا تعني تجاهل الألم

ربما حان الوقت لإعادة النظر في بعض الأفكار التي تربط قوة الرجل بقدرته على الصمت والتحمل. فالرجل الذي يذهب إلى الطبيب عندما يحتاج إلى المساعدة لا يصبح أقل قوة، والرجل الذي يتحدث عن معاناته النفسية لا يفقد كرامته. الاهتمام بالصحة يعكس إدراكا لقيمة الحياة وللمسؤوليات التي يحملها الإنسان تجاه نفسه وأسرته ومن يحب.

بعض الأمراض لا تنتظر أن يجد الإنسان الوقت المناسب لمواجهتها. وقد يكون التأخير في طلب المساعدة مكلفا، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمراض يمكن علاجها أو التحكم فيها بصورة أفضل عند اكتشافها مبكرا. الرسالة التي يحملها "موفمبر" تتجاوز مجرد الدعوة إلى زيارة الطبيب؛ فهي دعوة إلى تغيير علاقتنا بمفهوم القوة والصحة والمرض. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على تحمل الألم بصمت، وإنما في امتلاك الوعي والشجاعة للتصرف عندما يستدعي الأمر ذلك.

شارك الخبر: