قطر
سياسة

إيلون ماسك: مهندس المستقبل أم صانع الفوضى؟ نظرة على رؤيته للعالم والذكاء الاصطناعي

الجزيرة٣١ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٠ م0 مشاهدة
إيلون ماسك: مهندس المستقبل أم صانع الفوضى؟ نظرة على رؤيته للعالم والذكاء الاصطناعي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العالم على مقاس ماسك.. هل يريد إنقاذ البشرية أم إعادة تشكيلها وفق رؤيته؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد إيلون ماسك مجرد رجل أعمال ناجح أو ملياردير يمتلك شركات تكنولوجية مؤثرة، بل أصبح شخصية تتمتع بنفوذ استثنائي يمتد إلى السياسة والإعلام والاتصالات والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي. يكمن سر هذا النفوذ في منظومة مترابطة من الشركات والتقنيات التي تؤثر في حياة الأفراد والحكومات، وفي طريقة تواصل الناس وتلقيهم للمعلومات وفهمهم للعالم.

يستند هذا الطرح إلى حلقة من برنامج "ذا إزرا كلاين شو"، الذي استضاف فيه الصحفي إزرا كلاين المؤرخ كوين سلوبوديان، أستاذ التاريخ الدولي بجامعة بوسطن والمؤلف المشارك لكتاب "الماسكية: دليل للحائرين". ناقش كلاين مع سلوبوديان الخلفيات الفكرية والسياسية لمشروع ماسك، وكيف تطورت رؤيته للعالم والتكنولوجيا، محاولين فهم ما وراء قراراته التجارية ومواقفه السياسية، وصولاً إلى تصوره لمستقبل البشرية وعلاقتها بالذكاء الاصطناعي. يرى سلوبوديان أن ماسك يسعى لبناء منظومة متكاملة تزيد اعتماد المجتمعات والحكومات على شركات ماسك وخدماتها، وتمنحه نفوذاً متنامياً على البنية التحتية والمعلومات.

نفوذ ماسك المتزايد وتطلعاته السياسية

يرى سلوبوديان أن قوة ماسك لا تنبع من ثروته الهائلة فحسب، بل من قدرته على الجمع بين المال والتكنولوجيا والاتصال والبنية التحتية. فهو يمتلك أو يسيطر على شبكة واسعة من الشركات الكبرى التي تضم "تسلا"، و"سبيس إكس"، وخدمة الإنترنت الفضائي "ستارلينك"، ومنصة "إكس" (تويتر سابقاً)، إضافة إلى شركة "نيورالينك"، وأنشطة الذكاء الاصطناعي المرتبطة بشركة "إكس إيه آي". يمنحه هذا النطاق التكنولوجي هيمنة قطاعية ممتدة تؤثر مباشرة في مجالات حيوية كالنقل، والاتصالات المشفرة، والفضائيات، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية.

لم يتوقف هذا التأثير عند الحدود التجارية أو التقنية، بل امتد ليتغلغل عميقاً في المشهد السياسي الأمريكي. فبحسب المقابلة، ضخ ماسك نحو 450 مليون دولار لدعم لجان ومجموعات سياسية مؤيدة للحزب الجمهوري خلال دورة انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، ليصبح بذلك أكبر المانحين السياسيين الأفراد في تاريخ الدورات الانتخابية الأمريكية. يصف سلوبوديان هذا الوضع بأنه شكل من أشكال القوة شبه السيادية، إذ يمتلك ماسك نفوذاً على الثروة وانتباه الجماهير والبنية التحتية الحيوية بدرجة يصعب العثور على مثيل لها لدى فرد واحد.

فيروس اليقظة التقدمية

يشكل مفهوم "فيروس اليقظة التقدمية" محوراً أساسياً لفهم نظرة ماسك إلى السياسة والمجتمع. يوضح سلوبوديان أن هذا التعبير يرتبط بفكرة "فيروسات العقل" التي صاغها عالم الأحياء التطوري ريتشارد دوكينز. يرى سلوبوديان أن الأفكار التقدمية المتعلقة بالعدالة العرقية، والمساواة بين الجنسين، وحقوق الأقليات، والحركات الاجتماعية الحديثة تشكل "فيروسات أيديولوجية" تتسرب عبر النسيج المجتمعي لتفكيك ما يعتبره ماسك قيماً للحضارة الغربية التقليدية. يساعد هذا التفسير على فهم معارضته الشديدة لهذه التيارات، وسعيه المستمر لبناء منصات اتصال وأنظمة ذكاء اصطناعي بديلة تعبّر عن رؤيته.

يربط سلوبوديان هذه الرؤية بأهمية امتلاك شبكات نقل المعلومات. فالسيطرة على المنصات الرقمية وخوارزمياتها، والتحكم في تدفق البيانات والمعلومات، يصبح الوسيلة الأكثر حسماً للتأثير في توجهات المجتمعات وصياغة سلوكياتها. يتعامل ماسك مع الأفكار السياسية والدينية والاجتماعية على أنها أشبه بوحدات معلومات يمكن نشرها أو تضخيمها أو الحد من انتشارها. يرى سلوبوديان أن ماسك لا يتعامل مع السياسة بوصفها مجالا للنقاش والتفاوض والاختلاف، بل باعتبارها ساحة للتأثير في منظومة مترابطة من البشر والآلات، يصفها بمفهوم "التجمع السيبرنيطيقي".

ماسك في معسكر اليمين التكنولوجي

شهدت مواقف ماسك السياسية تحولاً ملحوظاً. ففي بدايات العقد الماضي، بدا أقرب إلى التوجهات الليبرالية المعتدلة، وكان مؤيداً لبعض سياسات إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما. لكن التوترات بدأت بالتصاعد مع مجيء إدارة الرئيس السابق جو بايدن، إذ أبدى ماسك انزعاجاً متزايداً من السياسات الداعمة للنقابات العمالية، وحركات المساواة في بيئة العمل، والتوجهات الاجتماعية التقدمية. استاء بشكل خاص من استبعاده من قمة البيت الأبيض الخاصة بالسيارات الكهربائية.

أضافت جائحة كوفيد-19 بعداً آخر للصراع، إذ عارض ماسك إجراءات الإغلاق، ورفض القيود التي فرضتها ولاية كاليفورنيا على تشغيل مصانع "تسلا". وفي الوقت نفسه، تضاعفت أهمية وسائل التواصل الاجتماعي كأداة لتعزيز نفوذه السياسي والاقتصادي. وبسبب هذه التوترات، اتجهت مواقفه تدريجياً نحو اليمين السياسي، حتى أصبح أحد أبرز وجوه ما يُعرف اليوم بـ"اليمين التكنولوجي". يربط سلوبوديان هذا التحول بتغير مصالح ماسك، وبصراعه مع ما يراه توجهاً ثقافياً وسياسياً يهدد رؤيته للمجتمع والحضارة الغربية.

ملف الذكاء الاصطناعي

يتناول الحوار أيضاً التغير الكبير في موقف ماسك من الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2015، شارك في تأسيس شركة "أوبن إيه آي"، وكان قلقه الأساسي يتمثل في احتمال ظهور ذكاء اصطناعي فائق يتجاوز قدرات البشر ويخرج عن السيطرة. دعا ماسك حينئذ إلى إبطاء تطور الذكاء الاصطناعي وضمان توافق قيمه مع القيم الإنسانية. وفي الوقت نفسه، أسّس ماسك شركة "نيورالينك"، بهدف دمج الإنسان بالتكنولوجيا عبر واجهات الدماغ والحاسوب.

لكن هذا الموقف تغير بوضوح بعد إطلاق روبوت المحادثة "شات جي بي تي" في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، حين أدرك ماسك الإمكانات التجارية الهائلة للذكاء الاصطناعي التوليدي. بدأ ماسك يتحدث عن خطر ما يصفه بالتحيز الأيديولوجي في نماذج الذكاء الاصطناعي، وقال إن بعض هذه النماذج تأثرت بما يراه أفكاراً تقدمية أو "فيروس عقلية اليقظة التقدمية". ومن هنا جاء تأسيس "إكس إيه آي" وتطوير "غروك"، بوصفهما محاولة لتقديم نموذج يزعم ماسك أنه أكثر تحرراً من هذه التحيزات.

رؤية ما بعد الإنسان والهجرة

تتجلى إحدى أكثر الأفكار مدعاة للقلق في تقبل ماسك الضمني لاحتمال أن يتفوق الذكاء الاصطناعي بمراحل شاسعة على القدرات الذهنية للبشر. أشار ماسك إلى أن البشر قد يفقدون السيطرة على المقدرات العامة لمصلحة أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال 10 أعوام.

تناول الحوار أيضاً تصريحات ماسك المتعلقة بقضايا الهجرة، وما يصفه بـ"التعاطف الذي يقود الحضارة إلى الانتحار". يدعي ماسك أن المجتمعات الغربية تخاطر بإضعاف بنيتها الداخلية عبر سماحها باستقبال موجات هجرة من مجتمعات لا تشاركها -من وجهة نظره- القيم الثقافية الأساسية. ووصف الاستجابة القائمة على التعاطف بأنها نقطة ضعف قد تُستغل سياسياً. ويربط سلوبوديان بين هذا الطرح وأفكار اليمين المتطرف الأوروبي المناهض للهجرة.

وفق سلوبوديان، يعكس هذا الموقف رفضاً عميقاً للمبادئ الديمقراطية التقليدية القائمة على المساواة، والمسؤولية المشتركة، والمشاركة السياسية الجماعية. كما يناقش التأثير المحتمل لنشأة ماسك في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري (الأبارتايد)، ويرى أن النمو في مجتمع قائم على التراتبية العرقية الصارمة قد ينعكس في تشكيل رؤية تراتبية ترى الأفراد والمجموعات في مواقع غير متساوية.

ما الخيارات المتاحة أمام المجتمعات؟

في ختام الحوار، يدعو سلوبوديان إلى مواجهة نفوذ عمالقة التكنولوجيا عبر تنظيم عملهم، وتطوير بدائل لخدماتهم، وإعادة النظر في الغاية من هذه التقنيات. يشدد على أهمية فهم ما تقوم عليه من موارد طبيعية وسلاسل إنتاج، والتمييز بين قطاعاتها المختلفة، فضلاً عن دور العاملين داخل الشركات في التأثير في توجهاتها.

يحذر المؤرخ من أن الخطر لا يكمن في أفكار ماسك وحدها، بل في تركز نفوذ اقتصادي وتكنولوجي هائل بيد شخص واحد، بما يمنحه قدرة واسعة على التأثير في تدفق المعلومات وحياة المجتمعات. يبرز سؤال جوهري: من يملك حق رسم مستقبل التكنولوجيا؛ المجتمعات عبر مؤسساتها الديمقراطية، أم قلة من أصحاب الثروات والشركات التكنولوجية؟

شارك الخبر: