قطر
سياسة

جريمة الكرك: جرس إنذار لإعادة ترسيخ الوحدة الوطنية الأردنية في مواجهة التطرف

الجزيرة٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٠٦ ص0 مشاهدة
جريمة الكرك: جرس إنذار لإعادة ترسيخ الوحدة الوطنية الأردنية في مواجهة التطرف

تنويه

هذا الخبر بعنوان "جريمة الكرك.. خروج عن المألوف الأردني الذي حول الاختلاف إلى تنوع" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُعدّ كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن شاهدة على حادثة دامية هزت المجتمع الأردني. وعلى الرغم من أن الأردن لطالما عُرف بقدرته على تحويل الاختلافات الإثنية والدينية والمذهبية إلى نسيج وطني جامع، إلا أن هذه الجريمة تمثل خروجاً عن المألوف. فالأردن، عبر تاريخه، نجح في دمج مكوناته الاجتماعية المتنوعة، من عرب وأكراد وأرمن وشركس وشيشان، وذوي الأصول الأردنية والفلسطينية، ومسلمين ومسيحيين، في إطار هوية عربية جامعة تقوم على الاعتراف بالتنوع واحترامه. ويتمتع الجميع بالمواطنة الكاملة، وتُبنى العلاقات على الانتماء لوطن واحد وقيم مشتركة.

تُعتبر الكرك نموذجاً مصغراً لهذا التآخي، حيث عاش المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب في وئام وتكامل. ورغم امتلاك الأردن لأجهزة أمنية قادرة على حفظ استقراره، فإن الأمن الشامل يتطلب أيضاً إحياء المنظومة الأخلاقية والقيمية، وتعزيز المواطنة المتساوية، واحترام الأديان والأعراق، وإعادة الاعتبار للتربية الوطنية التي تجعل من الاختلاف مصدراً للغنى لا للانقسام.

في الكرك، كانت الأحلاف العشائرية تضم مسلمين ومسيحيين دون اعتبار للهوية الدينية، وكانت العلاقات تُنظم وفق قواعد عشائرية مشتركة. وتتجاور مساكنهم وأراضيهم الزراعية، مما يعكس وحدة الحياة الاجتماعية وتشابك المصالح. وقد جمعتهم قيم وعادات عربية أصيلة، جعلت المسلم والمسيحي جزءاً من كيان اجتماعي واحد. ومن أبلغ الشواهد على ذلك، قسم شيخ مشايخ الكرك أمام أعلى مرجعية دينية مسيحية على صون الكرك وأهلها، مما يعكس اعترافاً متبادلاً وثقة وشراكة في حماية المجتمع.

إن وقوع حادث إجرامي في الكرك يمثل صدمة وطنية كبرى، ليس فقط لفداحة الجريمة، بل لأنها تصطدم بإرث اجتماعي عريق من التآخي والتماسك. ولكن، بعيداً عن استحضار هذا الإرث، يبرز سؤال ملح: ما الذي يدفع شباباً لحمل السلاح وارتكاب جرائم بشعة دون رادع؟ إن المسألة تتجاوز الفعل الجنائي لتشمل منظومة التربية والتعليم والثقافة والتوجيه الوطني، ومدى قدرتها على تحصين الأجيال من الأفكار الهدامة. فقد تسربت أفكار متطرفة، تتنافى مع جوهر الإسلام، إلى بعض المجتمعات، بما فيها الأردن، واستغلت بعض المؤسسات لنشر التطرف وتسميم عقول الشباب.

المعركة الحقيقية هي معركة وعي وثقافة وتربية، معركة على عقول الأجيال وقيم المجتمع. وتكمن الخطورة في استمرار هذه الممارسات بعيداً عن الرقابة، مما قد يؤدي إلى نتائج كارثية، كما أبرزت جريمة الكرك. ولم تكن المدارس والجامعات بمنأى عن هذه الأجواء، حيث شهدت بعض الندوات طرح أفكار تقترب من الفكر المتطرف. ويثير القلق أن بعض من يُقدمون كعلماء لم يصدر عنهم موقف واضح يدين الأعمال الإرهابية، بل شارك بعضهم في تقديم العزاء لشخصيات إرهابية.

إن خطورة هذه الظواهر تكمن في استمرارها أمام أنظار المجتمع دون مواجهة فكرية ومؤسسية كافية، رغم توجيهات الملك عبد الله الثاني المستمرة للحكومات. وغياب الرقابة الفاعلة يفتح المجال لتغيرات سلبية في منظومة القيم والمواطنة، مثل دعوات تحرم الترحم على المسيحيين أو تهنئتهم بأعيادهم، مما يهدد تقاليد التعايش. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع نطاق هذا الخطاب، حيث تُستخدم لبث الكراهية والتحريض.

جريمة الكرك ليست مجرد حادثة مؤلمة، بل هي جرس إنذار يستوجب مراجعة وطنية جادة لإعادة الاعتبار للقيم الأصيلة، وتحصين الأجيال من التطرف، وحماية النموذج الأردني الذي نجح في تحويل الاختلاف إلى تنوع وقوة. وتبرز هنا مسؤولية الجهات المختصة في تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية وسائر التشريعات لضمان المساءلة عن التحريض والكراهية، مع حماية حرية التعبير المشروعة. فالقانون لا يكتمل إلا بإنفاذه على الجميع.

نحن بحاجة إلى إحياء منظومتنا الأخلاقية والقيمية، وتعزيز المواطنة المتساوية، وترسيخ احترام الأديان والأعراق، وإعادة الاعتبار للتربية الوطنية. كما نحتاج إلى مراجعة أداء مؤسساتنا التعليمية والثقافية والدعوية، وتفعيل الرقابة على ما يُقدم فيها، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض على الكراهية أو تبرير العنف. فالمعركة الحقيقية هي معركة وعي وثقافة وتربية، معركة على عقول الأجيال وقيم المجتمع. إن إضعاف الدولة من الداخل والعبث بوحدتها الوطنية يمثل خطراً لا يقل عن خطر الأعداء الخارجيين. فالدولة القوية تحمي وحدتها الداخلية وتصون كرامة مواطنيها وتمنع تحويل الاختلاف إلى عداوة.

جريمة الكرك هي جرس إنذار يستوجب مراجعة وطنية جادة، تعيد الاعتبار للقيم الأصيلة، وتحصن أجيالنا من التطرف، وتحمي النموذج الأردني الذي نجح في تحويل الاختلاف إلى تنوع وقوة. فهل نتعظ مما جرى، قبل أن تتسع الشروخ في جدار وحدتنا الوطنية؟

شارك الخبر: