قطر
سياسة

لماذا قمعت فرنسا محتجيها بينما عاد المتظاهرون التونسيون إلى منازلهم؟ مقارنة بين مسيرتين

الجزيرة٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٢:٢٠ ص0 مشاهدة
لماذا قمعت فرنسا محتجيها بينما عاد المتظاهرون التونسيون إلى منازلهم؟ مقارنة بين مسيرتين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لهذا ضُرب المحتجّ الفرنسي بينما عاد المتظاهر التونسي إلى بيته" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تنتهِ "مسيرة 17 أكتوبر/تشرين الأول" في تونس، ولم ينتهِ معها الجدل الكثيف على وسائل التواصل الاجتماعي حول مضامينها وتداعياتها وتأثيراتها المستقبلية على نظام الرئيس قيس سعيد. ورغم عودة المشاركين إلى بيوتهم، فإن النقاشات تعمقت داخل فضاءات الاتحاد العام التونسي للشغل، ونقابة المحامين، ورابطة حقوق الإنسان، ونقابة الصحفيين التونسيين، بالإضافة إلى الأحزاب السياسية، حول ما بعد المسيرة.

برزت المقارنة بين التعاطي الأمني التونسي مع الاحتجاجات وتعامل الأمن الفرنسي مع الاحتجاجات الأخيرة في باريس كأولى نقاط الجدل. لقد شكل التعاطي الأمني في فرنسا صدمة للنخب التونسية، خاصة تلك القريبة من فرنسا. انقسم النقاش بين من اعتبر أن المنظومة السياسية الفرنسية لجأت إلى عنف واعتقالات ضد المتظاهرين المحتجين على غلاء المعيشة، في مشهد مشابه لما يحدث في العالم العربي، وبين من ذكّر بأن التاريخ الفرنسي مليء بممارسات أمنية وعسكرية مماثلة، مستشهدين بـ"مذبحة باريس في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961" خلال حرب الاستقلال الجزائرية، وعنف مايو/أيار 1968 ضد انتفاضة الطلبة، وهي أحداث أدت إلى عزلة الدولة الفرنسية وولادة طبقة سياسية جديدة.

هذه الصورة ظلت محفورة في مخيال السياسيين والمثقفين التونسيين القريبين من باريس، خاصة اليساريين الذين يستثمرون في المطالب الاجتماعية وتوظيف النقابات والحركة الطلابية كأدوات لتحريك الوضع السياسي. في المقابل، اعتبرت قراءات سياسية أخرى أن هذه المقارنة إسقاط سياسي على وضعين مختلفين؛ ففرنسا لا تعيش استبداداً، والرئيس ماكرون لم يحكم بانقلاب، والحراك الفرنسي لا يحمل نفس مطالب الحراك التونسي. الجامع الوحيد هو الاحتجاج، مما يعطي للحراك التونسي زخماً وأفقاً أوسع.

تُنظر إلى الاحتجاجات الفرنسية كحدث هيكلي ضمن التحولات التي يشهدها الاتحاد الأوروبي، وما قد يترتب عليها من تداعيات على العلاقات مع تونس. في جانب آخر، يرى مراقبون أن الاحتجاجات الفرنسية قد تمنح نظام الحكم في تونس متنفسًا، وتخرجه من دائرة الإحراج الأمريكي والأوروبي بشأن المحاكمات السياسية والإجراءات المعادية للحريات، فما يحدث في تونس يُعد أقل بكثير مما يجري في باريس.

فتحت مسيرة 17 أكتوبر/تشرين الأول جدلاً واسعاً حول المعارضة التونسية: من يمثلها اليوم؟ هل هي النقابات والمنظمات الحقوقية، أم الأحزاب التي يقبع قياديوها في السجون، أم اليسار المنقسم، أم أحزاب الموالاة التي شاركت في المسيرة؟ طال الجدل أيضاً العلاقات داخل المعارضة، ومدى قدرتها على التعبير الموحد عن مطالب المعارضة بكافة أطيافها.

تُطرح أسئلة مؤلمة بشأن دور الاتحاد العام التونسي للشغل، وهل يمكنه قيادة البلاد سياسياً بعد فشل تقديراته السابقة؟ وهل يمكن لمن يتهمه خصومه بـ"معول الهدم للانتقال الديمقراطي" أن يتصدر حراكاً يرفع شعار "يا منظومة الفشل، الرحيل هو الحل"؟ يرتفع الجدل ضد أي دور للاتحاد في الحياة السياسية، خاصة مع تذكر العديد من الأحزاب التي لديها معتقلون سياسيون صمت المنظمة النقابية بشأن ملف المساجين السياسيين وعدم انخراطها في الحراك الحقوقي المندد بالاعتقالات.

بات ملف القيادات السياسية المعتقلة المعيار الأساسي لأي نضال سياسي للخروج من الأزمة، ولا يبدو الاتحاد منخرطاً في الدفاع عنهم. خطاب الأمين العام لاتحاد العمال صلاح الدين السالمي في نهاية المسيرة لم يأتِ على ذكر ملف المساجين السياسيين، مما أثار انتقادات واسعة للاتحاد من قبل المدونين التونسيين ومحيط حركة النهضة وجبهة الخلاص الوطني. فمن يتجاهل هذا الملف لا يمكن أن يقود أي محاولة للخروج من الأزمة السياسية.

تتضح التحالفات الممكنة والسيناريوهات المطروحة تحت الطاولة عند الحديث عن مدى استعداد الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الحقوقية للقبول بالطيف الإسلامي، ممثلاً في "جبهة الخلاص" و"حركة النهضة"، ضمن أي عملية ترتيب سياسي جديد. القبول بحركة النهضة بات كالدواء المر الذي لا بد من تجرعه. حركة النهضة حاضرة بقوة في جميع المقاربات السياسية، ولا يمكن القفز على ثقلها الانتخابي والحزبي. تكمن خشية واضحة من مشاركة الطيف الإسلامي في أي أفق جديد نظراً لثقله الانتخابي، ففي حضور "النهضة" إلغاء لبقية الأحزاب والمنظمات من المعادلة القادمة.

الخطاب المسكوت عنه هو خشية مشاركة الطيف الإسلامي. موقف السلطة يرى في عدم تشريك "النهضة" إضعافاً للمعارضة، وتعمل على عدم التقاء المعارضة بحركة النهضة، وخاصة استبعاد تحالفها مع اتحاد الشغل. النظام يعمل على تثبيت الوضع الراهن من حيث تفتت المعارضة وتشتتها، وبقاء الاتحاد مرتهناً لملفات الفساد.

هل للمعارضة بديل؟ المعارضة بجميع أطيافها لا تملك برنامجاً سياسياً يحرج السلطة ويجرها للحديث عن مستقبل البلاد. لا تزال تراوح مكانها ضمن دائرة المطالب الحقوقية، ولم تطرح مخرجاً حقيقياً للأزمة، لا باقتراح شخصية جامعة، ولا بوضع تصور مستقبلي للحكم، ولا باعتماد خطوة عملية لتوحيد الطيف المعارض لانقلاب الرئيس قيس سعيد. حكم بلا بوصلة، ومعارضة بلا برنامج، ومجتمع يرقب الوضع بقلق، ومجتمع دولي منهمك في معاركه الخاصة.

شارك الخبر: