مكتبة عبد الظاهر: إرث أربعة أجيال في عالم الحبر والورق وصناعة الدفاتر


هذا الخبر بعنوان "مكتبة عبد الظاهر.. أربعة أجيال تحفظ حكاية الحبر والورق" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب القاهرة، خلف الجامع الأزهر، تقف مكتبة عبد الظاهر كشاهد على زمن لم تندثر فيه رائحة الورق العتيق والجلود الطبيعية، وحروف الرصاص التي لا تزال تحتفظ ببريقها. في عصر الطباعة الرقمية، تحتفظ هذه المكتبة بتراث صناعة الكتب اليدوية، حيث لا تبدأ العملية بضغطة زر، بل بجمع الحروف المعدنية يدوياً من أدراجها، ثم طباعتها على الورق، وهي حرفة تتوارثها العائلة منذ أربعة أجيال. تقدم المكتبة لزوارها فرصة فريدة لاستكشاف تاريخ صناعة الكتب، حين كانت كل صفحة تُبنى حرفاً بحرف، وتتطلب مهارة اليد وصبر الصانع. ومع تراجع سوق الكتب القديمة، ابتكرت العائلة طرقاً جديدة للحفاظ على إرثها، فاتجهت إلى صناعة وتجليد الدفاتر يدوياً، مما أعاد ربط مهنتهم بجمهور أوسع يبحث عن منتجات تحمل بصمة الصناعة اليدوية.
تاريخ الطباعة شهد تحولات عميقة منذ بداياته في الصين عام 868 ميلادية بكتاب "درة البوذية" المطبوع بالألواح الخشبية، وصولاً إلى ثورة يوهانس غوتنبرغ بالحروف المعدنية المتحركة التي سهّلت انتشار المعرفة. في مصر، بدأت الطباعة الحديثة مع الحملة الفرنسية وتطورت مع المطابع الأميرية في عهد محمد علي باشا. تأسست مكتبة عبد الظاهر عام 1936، وبدأت رحلتها في طباعة الكتب وتجليدها. بعد وفاة مؤسسها الشاب، تولى ابنه محمد عبد الظاهر المسؤولية، ووسع نشاط المكتبة ليشمل ترميم الكتب القديمة. مرت بالمكتبة أعمال قيمة مثل تفسير القرطبي، و"وصف مصر"، و"الخطط المقريزية"، وتاريخ الجبرتي، ونسخ قديمة من المصحف.
السيدة هند عبد الظاهر، تبلغ من العمر 46 عاماً، أكدت أن المكتبة حافظت على طابعها التراثي وأدواتها القديمة رغم التغييرات. ومع تراجع سوق الكتب القديمة، تحولت العائلة لصناعة الدفاتر "النوت بوك" بأساليب الطباعة والتجليد التقليدية، مما جذب جمهوراً جديداً يبحث عن دفاتر مخصصة تحمل لمسة الصناعة اليدوية. بدأت هند العمل في المكتبة بعد وفاة والدها عام 2014، لتنضم إلى شقيقيها في إدارة وتطوير العمل، بعد أن كانت قد درست علوم الكمبيوتر وتفرغت لأسرتها.
الجيل الرابع من العائلة، يوسف، ابن هند، يبلغ من العمر 20 عاماً، ورغم دراسته لإدارة الأعمال، فقد ارتبط بالمكتبة منذ صغره. تعلم يوسف أصول المهنة، واكتشف عالماً من الحروف يتجاوز 360 شكلاً، مدركاً أهمية الحفاظ على "درج الحروف" كميراث عائلي لا يمكن تعويضه بسهولة. تضم المكتبة حروفاً عربية وإنجليزية ويونانية، تُستخدم في الطباعة اليدوية، وتتيح صناعة الدفاتر مساحة واسعة لطباعة الأسماء والعبارات بلغات مختلفة.
لم تقتصر بصمة مكتبة عبد الظاهر على الكتب والدفاتر، بل امتدت إلى أعمال فنية وثقافية. تتذكر العائلة زيارة الفنان الراحل نور الشريف للمكتبة في التسعينيات، حيث وفرت له كتباً ومخطوطات تاريخية وجلدتها بجلد الماعز. كما تولت المكتبة صناعة سجل ضيوف المتحف المصري الكبير، وهو كتاب ضخم استغرق إعداده أشهر، وتم فيه تعتيق الأوراق وتجليده بجلد الماعز الصحراوي من الواحات.
تواصل المكتبة استخدام الجلود الطبيعية وتعتيق الورق وإضافة الأقفال النحاسية، مما يمنح منتجاتها خصوصية فريدة. يرى يوسف أن اجتماع هذه التفاصيل، من الحروف المجمعة يدوياً إلى خامة الورق والجلد، هو ما يصنع الحكاية. هكذا، وجدت مكتبة عبد الظاهر في صناعة الدفاتر مساحة جديدة لاستمرار حرفتها، حيث يواصل الجيل الرابع تعلم المهنة والبحث عن مكان لها في حياة قراء وكتّاب العصر الجديد.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة