قطر
اقتصاد

فرنسا تشتعل: أزمة الديزل وغلاء المعيشة تدفع ماكرون إلى مأزق اقتصادي واجتماعي

الجزيرة٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٤ م0 مشاهدة
فرنسا تشتعل: أزمة الديزل وغلاء المعيشة تدفع ماكرون إلى مأزق اقتصادي واجتماعي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "فرنسا تحترق والاقتصاد يختنق.. المخبر الاقتصادي يكشف سر ورطة ماكرون" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يكشف برنامج "المخبر الاقتصادي" كيف أدت أزمة الديزل وارتفاع تكاليف المعيشة إلى اندلاع احتجاجات واسعة في فرنسا، بينما تضع الديون والعجوزات وضعف النمو قيودًا على قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون على احتواء الغضب الشعبي. أعادت مشاهد الحرائق والنهب في عدة مدن فرنسية طرح سؤال حساس: كيف تتحول أزمة وقود وغلاء في الخدمات العامة إلى انفجار اجتماعي في إحدى أغنى دول العالم؟

توضح حلقة برنامج "المخبر الاقتصادي"، الذي يُبث عبر منصة "AJ+ عربي"، أن غضب الشارع يتصاعد بينما تتقلص خيارات الرئيس إيمانويل ماكرون. تتناول الحلقة، التي بثت بتاريخ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، موجة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حيث خرج مئات الآلاف للمطالبة بخفض الأسعار ورفع الأجور وتحسين التعليم. وقد تداخلت المسيرات السلمية مع أعمال عنف ونهب ألحقت أضرارًا بالمتاجر والمباني العامة.

بدأت المشاهد الأكثر إثارة للصدمة بإحراق سيارة شرطة واقتحام مبنى بلدية ليموج التاريخي، وامتدت الاعتداءات إلى مدن مثل باريس ومرسيليا وليون، حيث حطمت مجموعات واجهات متاجر ونهبت بضائع وأحرقت منشآت. لكن الحلقة تؤكد أن هذه الصور لا تلخص وحدها دوافع المحتجين أو طبيعة الحراك.

قبل بلوغ الأزمة ذروتها، غادر ماكرون باريس في 19 أكتوبر/تشرين الأول متوجهًا إلى الخليج، برفقة مسؤولين في قطاع الطاقة، في رحلة أثارت انتقادات بسبب توقيتها، خاصة وأن فرنسا كانت لا تزال تتعافى من الاضطرابات، بينما كان الرئيس يسعى لتأمين إمدادات إضافية من الديزل. في اليوم التالي، أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الإمارات والبحرين تعهدتا بتوفير 200 ألف طن إضافية من الديزل شهريًا، سبقهما تعهد سعودي بتأمين 95 ألف طن، ليصل إجمالي الكميات الإضافية إلى نحو 295 ألف طن شهريًا، ما يعادل حوالي 10% من استهلاك فرنسا.

تكمن أهمية هذه الجولة في حقيقة أن فرنسا تستورد حوالي نصف الديزل الذي تستهلكه، وفقًا لتصريح سابق لماكرون. ولم يعد الاستيراد مسألة تجارية عادية، إذ جاء في وقت تعصف فيه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بسوق الطاقة، وتكشف هشاشة الإمدادات وارتفاع كلفة الوقود.

وقود الغضب

تعود جذور الأزمة إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. قبل الحرب، كان يمر عبره حوالي 20 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، أي ما يقارب خُمس الإمدادات العالمية. وبعد إغلاق إيران للمضيق واستهداف منشآت الطاقة، تراجعت التدفقات إلى حوالي 2.7 مليون برميل يوميًا خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان ومايو/أيار. ورغم تعافي صادرات النفط الخام الخليجية جزئيًا، ظلت المنتجات المكررة تعاني نقصًا؛ إذ هبطت صادرات الشرق الأوسط منها إلى 1.9 مليون برميل يوميًا في سبتمبر/أيلول، مقابل 4.7 ملايين قبل الحرب. كما زادت الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية من نقص الوقود العالمي.

تزامن نقص المعروض مع تراجع المخزونات؛ إذ هبطت في دول منظمة التعاون الاقتصادي إلى 565 مليون برميل في يوليو/تموز، أقل بنحو 5% من مستواها قبل الأزمة. ونتيجة لذلك، تجاوز سعر برميل الديزل 200 دولار في سنغافورة، وحوالي 220 دولارًا في أوروبا والولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول. وانعكست الصدمة مباشرة على الفرنسيين؛ إذ تجاوز سعر لتر الديزل في سبتمبر/أيلول يوروين و39 سنتًا، مسجلًا مستوى قياسيًا، وتخطى 2.5 يورو في أكثر من 700 محطة. كما صعد التضخم السنوي إلى 3.1%، مع ارتفاع أسعار الطاقة 21.3% والديزل 44.1% على أساس سنوي.

لم تقتصر المعاناة على الأسعار، بل امتدت إلى توافر الوقود؛ إذ قالت الحكومة إن 17% من المحطات عانت نقص نوع واحد على الأقل. تركزت المشكلة في "توتال إنرجيز"، بعدما اجتذبت أسعارها الأقل السائقين، فيما تراجعت كميات الديزل الموردة 9.2% في أغسطس/آب سنويًا. في الريف، يعتمد 90% من العاملين على السيارات، بينما تقترب فاتورة الديزل لبعض مراكب الصيد من 10 آلاف يورو أسبوعيًا.

طرحت الحكومة 10 ملايين برميل من الاحتياطي، لكن 88% اعتبروا الخطوة غير كافية، وطالب 69% بخفض الضرائب و54% بتحديد الأسعار أو تجميدها.

مأزق ماكرون

بدأت دعوة للاحتجاج على أزمة الوقود بفيديو لشاب على تيك توك حدد 17 أكتوبر/تشرين الأول موعدًا قبل أن يتراجع، لكن الدعوة انتشرت، وتقاطعت معها احتجاجات طلابية بسبب نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتردي المباني، ثم انضمت نقابات وفلاحون وسائقو التطبيقات، مطالبين بالأجور والمعاشات والخدمات العامة والتعليم.

قبل التحرك، أظهر استطلاع تأييد 69% من الفرنسيين للاحتجاجات، و77% من الشباب و70% من ناخبي اليمين المتطرف. في 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، خرجت حوالي 110 مسيرات؛ وقدرت الداخلية المشاركين بـ550 ألفًا، مقابل 800 ألف وفق المنظمين، ومعظمها كان سلميًا. لكن مجموعات خارج المسيرات المنظمة دخلت في مواجهات مع الشرطة أو استغلت الفوضى للنهب والتخريب. في مرسيليا وحدها، تضرر حوالي 500 محل وفق حصر أولي، بينها 317 تعرضت للنهب أو لأضرار كبيرة، فيما شهدت باريس وليون اعتداءات على متاجر ومبان عامة.

في خطاب متلفز مساء 18 أكتوبر/تشرين الأول، أدان ماكرون العنف وتوعد بمحاسبة المتورطين، لكنه أقر بمشروعية المطالب ووعد بالحوار. أعلن رئيس الوزراء حظر تجول محدود ومساعدات للمتاجر، فيما بقيت الأسباب الأعمق بلا علاج. ففي عام 2018، احتوى ماكرون احتجاجات "السترات الصفراء" بتنازلات كلفت حوالي 17 مليار يورو.

لكن قدرة الرئيس الفرنسي على تكرار التنازلات محدودة؛ فالدين العام بلغ 3.595 تريليون يورو، أو 119% من الناتج، فيما يتوقع أن يبلغ العجز 5.4% عام 2026. تتضمن موازنة 2027 إجراءات بقيمة 43 مليار يورو ضمن ضبط مالي إجمالي يبلغ 54 مليارًا، والنمو المتوقع 0.4%. وهكذا يُحاصر ماكرون بين إنفاق يضاعف العجز وتقشف قد يوسع الاحتجاجات. ومع فوائد دين متوقعة عند 91.2 مليار يورو في 2027 وعوائد سندات قرب 4.9%، وغياب أغلبية برلمانية وتأييد لا يتجاوز 17%، تفاقم مأزق ماكرون السياسي، وسط خلاف مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي حمّل الهجرة مسؤولية اضطرابات فرنسا.

شارك الخبر: