قطر
سياسة

إيران في أفريقيا: استراتيجيات النفوذ المتنوعة بين الاقتصاد والدين والسياسة

الجزيرة٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٢ م0 مشاهدة
إيران في أفريقيا: استراتيجيات النفوذ المتنوعة بين الاقتصاد والدين والسياسة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بالتشيع والاقتصاد والمسيرات.. كيف بنت إيران نفوذها في أفريقيا؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يعتمد الحضور الإيراني في أفريقيا على أداة واحدة، بل يمزج بين السياسة والاقتصاد والدين لبناء النفوذ بما يتناسب مع كل ساحة. ففي يوليو/تموز 2023، وصف الرئيس الكيني ويليام روتو طهران بـ"الشريك الاستراتيجي المهم"، معربًا عن تطلعه لزيادة الصادرات الكينية إلى السوق الإيرانية والاستفادة من الخبرات الإيرانية في الصحة والاقتصاد الأزرق. كانت كينيا المحطة الأولى في جولة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي الأفريقية، التي شملت أيضًا أوغندا وزيمبابوي. وعند عودته، تحدث رئيسي عن "توسيع العمق الاستراتيجي لإيران" كهدف أساسي للجولة، بينما ركزت نيروبي على المنافع الاقتصادية. وقدمت طهران الزيارة لجمهورها الداخلي كجزء من رسالة الثورة الإسلامية، مشيرة إلى أن الشعوب الأفريقية ترى في الشعب الإيراني وثورته روحًا مناهضة للاستعمار.

تستند السياسة الخارجية الإيرانية إلى مادتين دستوريتين تقسمان العالم إلى قوى "مستكبرة" وشعوب "مستضعفة". تنص المادة 152 على رفض الخضوع للقوى المهيمنة، بينما تؤكد المادة 154 دعم "نضال المستضعفين"، مع الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. يترك هذا التوازن مساحة واسعة للتأويل في الممارسة، حيث تتداخل حسابات الأمن القومي الإيراني مع "الإرث الثوري"، وتلعب المؤسسات الأمنية، كالحرس الثوري، دورًا مهمًا في تحويل المبادئ إلى سياسات ملموسة. يتضح هذا في ساحات مثل لبنان وسوريا واليمن، حيث ترتبط الحسابات العملية بالأمن والحفاظ على الحلفاء وخطوط النفوذ.

في أفريقيا، تكيّف إيران أدواتها لتناسب البيئات المحلية. فبينما قد لا يكون الترويج المباشر للنموذج الثوري مفتاحًا للقارة بأكملها، تلجأ طهران إلى خطاب الثورة والتضامن السياسي، والتعاون الاقتصادي والمشروعات الزراعية والتنموية، والعلاقات الأمنية والعسكرية عند الاقتضاء. يشير الباحث الأميركي إريك لوب إلى أن مشروعات الزراعة والتنمية الريفية أثبتت فاعلية أكبر في بناء النفوذ من الخطاب الثوري المباشر.

تبرز براغماتية إيران في تجربة "جهاد البناء"، التي بدأت بتنمية الريف الإيراني وامتدت إلى أفريقيا منذ الثمانينيات. تستخدم المنظمة مشروعات التنمية الزراعية والرعاية الطبية والتدريب المهني لفتح قنوات سياسية وتجارية. في أفريقيا، غلب الطابع التقني والتنموي على نشاطها، مما أتاح الوصول إلى مجتمعات متنوعة دون إثارة حساسية الحكومات المحلية. لم تكن هذه المشروعات مجرد مساعدات، بل انطوت على مكاسب إيرانية محددة، مثل تخصيص أراضٍ زراعية في غانا مقابل مشروعات للبنية التحتية، أو التعاون في قطاع الصيد مع تنزانيا مقابل تصدير المعدات والتقنيات الإيرانية.

تختلف سياسات إيران الحالية في أفريقيا عن سياسات نظام الشاه محمد رضا بهلوي. فبينما انطلقت سياسات الشاه من حسابات أمن الدولة وموازين القوى في الحرب الباردة، هدفت الجمهورية الإسلامية إلى نقل أفكار الثورة وبناء النفوذ. اعتمد الشاه على دبلوماسية النفط لتوسيع العلاقات، حيث تحولت عائدات النفط إلى قروض ومساعدات ومشروعات تنموية، مما أدى إلى توسع سريع في العلاقات الإيرانية الأفريقية. إلا أن هذه الدبلوماسية كانت سلاحًا ذا حدين، إذ لم تؤسس نفوذًا مستدامًا بسبب تراجع الإيرادات وضعف البنية التحتية الدبلوماسية.

في القرن الأفريقي، شهدت العلاقات تقلبات. بدأ التقارب مع السودان عقب انقلاب عام 1989، مدعومًا بالتعاون السياسي والأمني، لكنه شهد انقطاعًا ثم استئنافًا مدفوعًا بالحاجة العسكرية، خاصة في ظل الحرب السودانية. أصبحت المسيرات الإيرانية أداة لدخول ساحات أفريقية تحتاج إلى دعم عسكري سريع. كما سعت طهران إلى إيجاد موطئ قدم في موانئ القرن الأفريقي، لكن علاقاتها مع دول المنطقة ظلت قابلة للتحول السريع.

في السنغال، اتخذت العلاقات شكل دورة من القطيعة والعودة، مدفوعة بالتعاون الاقتصادي والتدريب المهني. وجد التشيع في السنغال جذورًا محلية، حيث تفاعل مع التصوف المحلي، ونما داخل تربته. منحت الثورة الإيرانية هذا الحضور دفعة جديدة عبر توفير نموذج سياسي وديني وبناء مؤسسات تعليمية مرتبطة بطهران. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار التشيع السنغالي امتدادًا مباشرًا للجمهورية الإسلامية، فقد اتبع العديد من الشيعة مرجعيات أخرى مثل علي السيستاني، واحتفظوا بصلاتهم بالطرق الصوفية.

في نيجيريا، يغلب خط "قم" الثوري، حيث تشكل أكبر تجمع شيعي منظم في غرب أفريقيا. قاد إبراهيم الزكزكي الحركة الإسلامية في نيجيريا، التي رفضت النظام العلماني وطرحت إقامة حكم إسلامي. أدى هذا التمدد إلى صدام دموي مع الدولة واعتقال الزكزكي. ورغم التوتر بين طهران وأبوجا، لم يؤدِ ذلك إلى تعطيل العلاقات الرسمية، التي تركزت على التجارة والاستثمار والطاقة.

يكشف الحضور الإيراني في أفريقيا عن شبكة من العُقَد الإقليمية المختلفة وظيفيًا. ففي الغرب، تقدّمت المجالات الدينية والشبكات الاجتماعية. وفي القرن الأفريقي، تقدّمت الموانئ والمسيرات والتنسيق الاستخباراتي. أما في جنوب القارة، فبقيت المصلحة التجارية المحرك الأول. وتجمع هذه الساحات قدرة طهران على تفكيك أدواتها وإعادة تركيبها بما يلائم كل ساحة على حدة.

شارك الخبر: