الخلاف البحري المصري التركي: اختبار للتقارب وتساؤلات حول مستقبل شرق المتوسط


هذا الخبر بعنوان "خلاف الحدود البحرية يختبر التقارب المصري التركي.. ما السيناريوهات المقبلة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تفتح موافقة مجلس النواب الليبي، المنعقد في شرق ليبيا، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، الباب أمام خلاف جديد بشأن ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، وسط رفض مصري قاطع لهذه الخطوة. وتستند القاهرة في رفضها إلى اعتبارات قانونية مرتبطة بالحدود البحرية، والمصالح الاقتصادية، وحقوق استكشاف الغاز، مما يثير تساؤلات حول انعكاسات هذه الخطوة على العلاقات المصرية التركية ومستقبل التوازنات السياسية والأمنية في ليبيا وشرق المتوسط.
ويرى اللواء أركان حرب محمد الكشكي، رئيس مركز بدر للدراسات السياسية، أن مصادقة مجلس النواب الليبي على المذكرة تمثل "تحولاً لافتاً"، مؤكداً أنها تتجاوز البعد القانوني لتكشف عن إعادة تشكيل لموازين النفوذ والتحالفات في المنطقة. ويشير الكشكي، الذي ترأس اللجنة المصرية المعنية بملف ليبيا سابقاً، إلى أن القرار يمنح المذكرة وزناً سياسياً كبيراً داخل ليبيا، لكنه لا يحسم النزاع القانوني البحري مع مصر واليونان وقبرص، ولا يجعلها نافذة دولياً تلقائياً. كما يعكس القرار الموقف المستجد لقوى الشرق الليبي تجاه أنقرة، مما يفتح الباب أمام نفوذ تركي أشمل، ويشير إلى تقدم الحسابات الاقتصادية والأمنية على الخلافات الأيديولوجية.
وقد جاء الرفض المصري الرسمي صريحاً، باعتبار القرار الليبي "باطلاً ولا يرتب أثراً"، نظراً لتداخله مع حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر. ويأتي الموقف المصري في إطار حماية الحقوق السيادية، ومنع فرض واقع جديد بصورة أحادية، وصون حقوق الاستكشاف ومشروعات الغاز في شرق المتوسط، ومنع انفراد أي طرف إقليمي برسم الخريطة الأمنية والاقتصادية لليبيا.
وفيما يتعلق بمستقبل العلاقة مع معسكر شرق ليبيا، يرى الكشكي أن التحرك المصري ينحصر بين احتواء دبلوماسي يفصل بين الملف البحري والعلاقات الثنائية، أو تصعيد قانوني ودبلوماسي يحشد فيه كل طرف حلفاءه، أو توسع أعمق للوجود التركي ليشمل ملفات أمنية واقتصادية في الشرق. ويرى أن المقاربة المصرية الأكثر نجاعة هي "الجمع بين الحزم القانوني وحماية الحدود، والمرونة السياسية لاحتواء الداخل الليبي".
من جانبه، اعتبر اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالقوات المسلحة، أن القرار بمثابة "إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق"، مؤكداً أن الموقف القانوني والدولي يمنح القاهرة الحق الكامل في مواجهة أي تعامل يمسّ مصالحها الاقتصادية، بدءاً من المسار الدبلوماسي وصولاً إلى العسكري. ولا يعتقد سالم أن القرار قد يتسبب في مواجهة أو صدام بين تركيا ومصر، مرجحاً التوصل إلى تفاهمات بين القاهرة وأنقرة.
وتحدد الاتفاقية التي أجازها مجلس النواب الليبي مناطق الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط بين ليبيا وتركيا، متجاوزة بذلك المساحات البحرية التقليدية التي تعترضها جزر يونانية، وتتيح للطرفين إقرار مناطق اقتصادية جديدة، مما يمنح البلدين حقوقاً سيادية في التنقيب والاستكشاف عن الطاقة والغاز الطبيعي والنفط في شرق المتوسط.
ويوضح الدكتور هاني الأعصر، الباحث في الأمن البحري ومدير "المركز الوطني للدراسات"، أن الرفض المصري يأتي بسبب تعارض الاتفاقية مع اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر واليونان، وأنها "تفتقر إلى أصل قانوني وتتعارض مع قانون البحار الدولي". ويشدد الأعصر على أن الخلاف المترتب على الاتفاقية لا يعني انهيار التطور في العلاقات المصرية التركية، واصفاً التطور الأخير بأنه "سحابة صيف"، وأن العلاقات بين القاهرة وأنقرة أكبر بكثير من أي ملف خلافي.
ويشير اللواء الدكتور أحمد الشحات، الخبير في شؤون الأمن الإقليمي، إلى أن ترسيم الخط الفاصل بين الحدود المائية المصرية والتركية في الاتفاقية لم يكن سليماً، مما أدى إلى التداخل في المياه الاقتصادية المصرية، خاصة في منطقة تشير الدراسات إلى وجود كميات كبيرة من الغاز بها. كما يوضح أن ترسيم الحدود في مثل هذه الحالات يتطلب مشاركة جميع الأطراف ذات الصلة، وهو ما لم يحدث. ورغم ذلك، يشدد على أن الأزمة الأخيرة تمثل نقطة خلافية لن ترتقي إلى حد هدم العلاقات، متوقعاً إنهاء الخلافات عبر الحوار.
من جهته، أكد السفير معتز أحمدين، مندوب مصر السابق لدى مجلس الأمن والأمم المتحدة، أن إيداع الاتفاقية لدى الأمم المتحدة لا يمنحها صفة إلزامية، وأن الاتفاق لن يغير من سلوك مصر أو تركيا بشأن مصالحهما في الوقت الراهن.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة