لماذا لا تسقط إسرائيل؟ تحليل نقدي لأسطورة الانهيار التلقائي


هذا الخبر بعنوان "فخ الانتظار.. لماذا لن تنهار إسرائيل من تلقاء نفسها؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتجاوز عام 2022، ولا تزال إسرائيل قائمة، على الرغم من التنبؤات بسقوطها التي ارتبطت بالباحث بسام جرار. وبينما تقترب الدولة من نهاية عقدها الثامن، يبدو أن هذه التنبؤات لن تتحقق. تتغير المواعيد والنبوءات، من حسابات رقمية وتأويلات دينية إلى نظريات حول أعمار الدول و"لعنة العقد الثامن". ومع ذلك، يظل اليقين العربي بقرب نهاية المشروع الصهيوني ثابتاً. لكن هل هذا اليقين كسول، يلجأ إليه العقل العربي هرباً من متطلبات المواجهة؟
كان عام 2022 موعداً مهماً في الأوساط العربية، حيث ارتبطت نبوءة بسام جرار بزوال إسرائيل. بدأت هذه الفكرة في التسعينيات، وتطورت في كتابه "زوال إسرائيل 2022م: نبوءة أم صدف رقمية؟"، الذي جمع بين تفسير آيات قرآنية وحسابات عددية. هذه القراءات امتداد لتراث تفسيري قديم حول إفساد بني إسرائيل وعقابه الإلهي، وقد أعيد توظيفها في تفسيرات حديثة لنبوءة جرار.
منحت هزيمة 1967 زخماً للقراءات التنبؤية، حيث أنتجت حركة مضادة تبحث عن يقين يعوض الانكسار. انتقد صادق جلال العظم في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة" الميل إلى التفسيرات الغيبية كبديل عن تحليل مادي وعسكري. في المقابل، ظهرت محاولات بنيوية لفهم إسرائيل، أبرزها مشروع عبد الوهاب المسيري الموسوعي الذي اعتمد تحليلاً مادياً تاريخياً، معتبراً إسرائيل مشروعاً استعمارياً وظيفياً.
لم يكن طرح جرار في بدايته جازماً، لكن مع اقتراب 2022، تحول إلى توقع واسع الانتشار. بعد فشل النبوءة، انتقلت البوصلة إلى "العقد الثامن"، استناداً إلى تاريخ الممالك اليهودية السابقة التي تفككت قبل بلوغها 80 عاماً. هذه السرديات ليست حكراً على العرب، بل متداولة أيضاً في الداخل الإسرائيلي، حيث يحذر سياسيون مثل إيهود باراك ونفتالي بينيت من "لعنة العقد الثامن".
نشأت تحذيرات لاهوتية مبكرة من تيارات حاخامية معادية للصهيونية، مثل الحاخام يوئيل تيتلباوم، الذي اعتبر الهولوكوست عقاباً إلهياً على خرق "الأيمان الثلاثة". بعد حرب 1967، انتقل الشك إلى النخبة الفكرية العلمانية، حيث رأى يشعياو ليبوفيتش في الانتصار إنذاراً أخلاقياً. تعمق هذا الخط النقدي مع "المؤرخين الجدد" مثل بيني موريس وآفي شلايم، الذين فككوا الروايات التأسيسية للدولة، مما أجّج الخوف من النهاية.
أدى هذا التفكيك الفكري إلى وعي، وإن كان نخبوياً، بالطبيعة الاستعمارية الاستيطانية للمشروع الإسرائيلي، مما أنتج قلقاً وجودياً مزمناً. في عام 2022، كثر النقاش الإعلامي الإسرائيلي حول "لعنة" عمر الدولة، وعاد بقوة بعد "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
يستعير العقل العربي هذه المخاوف الإسرائيلية ويعيد تدويرها كحقائق مطلقة. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين خشية مجتمع من تكرار تجربة تاريخية مريرة، وتحويل هذه المخاوف إلى حتمية تاريخية. الدول تواجه خطر الانهيار حين تفقد مؤسساتها القدرة على إدارة الصراع الداخلي، أو تتغير موازين القوة، أو تعجز عن إعادة إنتاج نظامها. الأزمات الداخلية لا تتحول تلقائياً إلى أزمة وجودية إلا إذا مست قدرة الدولة الفعلية على إدارة الموارد، وإعادة إنتاج المؤسسات، والحفاظ على احتكار القوة.
يتحول الخطاب التحذيري الإسرائيلي، في بعض الأوساط العربية، إلى يقين مريح بسقوط إسرائيل الوشيك. نقل هذه التحذيرات بمعزل عن سياقها أمر مضلل، فوجود التناقضات لا يعني انهياراً وشيكاً، وآثارها تتوقف على قدرة المؤسسات الإسرائيلية على إدارتها. يستخدم الإسرائيليون خطاب الخوف من الانهيار للتحذير من الانقسامات الداخلية وحشد المجتمع، وهو أداة للتعبئة السياسية أكثر منه نبوءة. كما تستجيب إسرائيل لأزماتها الداخلية بتوسيع دائرة الصراع الخارجي، مما يخلق حالة تضامن منبعها الخوف.
إسرائيل ليست مجرد فكرة أيديولوجية، بل دولة لها مؤسسات وجيش واقتصاد وبنية تحتية. إنها بنية مادية متكاملة. التعامل معها بوصفها فكرة يسهل تخيل سقوطها الحتمي، أما التعامل معها كبنية مادية فيركز على شروط مواجهتها. يرتبط وجودها بالمركز الاستعماري الغربي، وهي عملية مستمرة لإعادة تنظيم الأرض والسكان والموارد. وجود طرق ومستوطنات وأنظمة قانونية وأمنية واقتصادية يعني أننا نواجه واقعاً يجب أن يُواجَه كما هو.
تطورت إسرائيل صناعات مرتبطة بالأمن والتكنولوجيا العسكرية، وأصبحت خبرتها في السيطرة والمراقبة جزءاً من قطاع اقتصادي عالمي. الحديث عن انهيار إسرائيل من الداخل يتجاهل شبكة أوسع من المصالح والعلاقات التي تساعدها على امتصاص أزماتها. قطاعات واسعة من النخب الإسرائيلية والغربية معنية بالحفاظ على المصالح الأساسية للنظام في إسرائيل.
تُساق أدلة على هشاشة إسرائيل، لكنها غالباً ما تكون مؤشرات إجهاد مالي لا انهيار. الاقتصاد الإسرائيلي ينمو، وعجزه المالي ضمن الحدود المتوقعة. القياس على تجارب استعمارية استيطانية أخرى مثل الجزائر أو جنوب أفريقيا يقع في فخ تجاهل الفوارق البنيوية. التعديلات القضائية والتشرذم الحزبي يثيران انقساماً، لكنهما لم يؤديا إلى انهيار مؤسسي.
تعاني إسرائيل أزمات حقيقية، فالانقسامات داخل المجتمع عميقة. القلق من التوترات الاجتماعية الداخلية يفوق القلق من التهديدات الأمنية الخارجية. الجيش الإسرائيلي يعاني أزمة تجنيد، لكنها أزمة في توزيع العبء لا في نقص المجندين. تحذيرات رئيس الأركان تهدف إلى فرض سياسة تجنيد مختلفة، وهي ليست إعلاناً بتفكك الجيش.
أزمة تجنيد الحريديم تمس مباشرة احتكار الدولة للقوة، وتزيد من خطورتها النمو الديموغرافي لهذه الفئة. تراجع الثقة بالحكم مؤشر خطير، إذ لا تثق بالحكومة سوى نسبة قليلة من الإسرائيليين، وهو أمر حيوي لدولة حرب.
مشروع عبد الوهاب المسيري حول "الدولة الوظيفية" فكك بنية إسرائيل، لكن التلقي العربي اختزل جهده التحليلي في نتيجة مجردة عن الانهيار الحتمي. الدول قادرة على إعادة تعريف وظائفها وخلق مصالح جديدة. إسرائيل تتطور وتجدد وظائفها في النظام الدولي، وتتجاوز دورها كمشروع استعماري إلى دولة طبيعية لها أجيال نشأت داخلها وتعتبرها وطنها.
تزايد أعداد المختصين بالشأن الإسرائيلي في الإعلام العربي غالباً ما يقدم أدوات معرفية تعيد إنتاج العجز العربي. التغطية المبالغ فيها تخلق حالة من التنفيس الوهمي، وتحيل الطاقة التحررية إلى استهلاك سلبي للأخبار. المتخصصون يغضبون ويحللون وينتصرون بالنيابة عنا، مما يعفي المشاهد من استحقاقات المواجهة الحقيقية.
توجد أسطورتان متناقضتان حول إسرائيل: قوة خارقة لا تُقهر، أو دولة هشة ستنهار وحدها. كلتاهما تسلب السياسة أهميتها ودورها. إذا كانت إسرائيل لا تُهزم، فالفعل السياسي عبث. وإذا كانت ستنهار وحدها، فالفعل السياسي غير ضروري. الحقيقة هي أن إسرائيل قابلة للهزيمة، لكنها ليست آيلة إلى سقوط تلقائي.
مواجهة إسرائيل تتطلب إعادة تعريف الصراع وفق قواعد القوة المادية الصلبة. إسقاط وهم "السقوط الحتمي" هو الخطوة الأولى نحو وعي تحرري. نهاية إسرائيل تتحقق بصياغة أدوات اشتباك سياسية واقتصادية ومكانية تفكك بنية الاحتلال. لحظة 7 أكتوبر/تشرين الأول تستمد قيمتها الاستراتيجية من ماديّتها، وتأسست على إدراك دقيق للشروط المادية للمواجهة. الدرس الأهم هو استبدال سؤال "متى تسقط إسرائيل؟" بسؤال "كيف يتغير ميزان القوى على نحو يُسقط الاحتلال الإسرائيلي؟"
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة