قطر
سياسة

القطب الشمالي: تقاطع استراتيجيات الصين وأوروبا في الممرات البحرية الجديدة

الجزيرة٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٢٠ م0 مشاهدة
القطب الشمالي: تقاطع استراتيجيات الصين وأوروبا في الممرات البحرية الجديدة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "القطب الشمالي.. أين يتقاطع مشروع الربط الصيني مع إستراتيجية أوروبا؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتلاقى الدعوة الصينية لتطوير الممرات القطبية مع الاستراتيجية الأوروبية الجديدة عند نقطة محورية هي أهمية البنية التحتية، لكنهما تختلفان في تقييم المخاطر المحيطة. فمن منظور الصين، تُعد الممرات جزءًا من شبكة نقل شاملة تهدف إلى دعم التجارة والتنمية، بينما يركز الاتحاد الأوروبي على الجمع بين توسيع الربط وحماية المنشآت الحيوية، وذلك بالتعاون مع شركائه وبالتكامل مع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

من هذا التقاطع، يتحول مركز التنافس من مجرد اختصار زمن الرحلات إلى شروط التشغيل، والتي تشمل توفير قدرات الملاحة والرصد والحماية، وتحديد الجهات المسؤولة عن إدارتها وقواعد استخدامها. في كلمة ألقاها لي تشيانغ، رئيس مجلس الدولة الصيني، في عاصمة طاجيكستان بتاريخ 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ونشرتها وكالة الأنباء الصينية "شينخوا"، دعا إلى بناء منظومة ممرات نقل دولية مستقرة وقادرة على الصمود. وشمل هذا التوجه تطوير الممرات القطبية وممر النقل الدولي العابر لبحر قزوين، مع التركيز على توسيع النقل متعدد الوسائط لزيادة القدرة الاستيعابية وتحفيز الصناعات على طول المسارات. ورغم أن هذه الكلمة تحدد توجهًا سياسيًا لعمليات الربط، إلا أنها لم تتضمن إعلانًا عن مشروع قطبي محدد أو تخصيص تمويل وجدول تنفيذي له.

في اليوم نفسه، أعلن الاتحاد الأوروبي عن استراتيجيته القطبية الجديدة، والتي ترتكز، حسب صحيفة الاقتصاد اليومية، على أربع أولويات: الأمن والقدرة على الصمود، مواجهة تغير المناخ، الازدهار الاقتصادي، وتوفير فرص للسكان المحليين. وتشمل الاستراتيجية أيضًا تطوير بنى النقل والطاقة والاتصالات الرقمية، وحماية المنشآت الحيوية، ورفع مستوى الاستعداد للطوارئ والقدرات العملياتية. وبهذا، يظل التنمية جزءًا من التصور الأوروبي، ولكن ضمن إطار يمنح الحماية الأمنية وزنًا واضحًا.

وتوضح التفاصيل التي أوردتها صحيفة "هوان تشيو"، نقلًا عن تقارير غربية، الأدوات المقترحة لهذا الإطار، وتشمل تعزيز أسطول كاسحات الجليد الأوروبي، وإعداد ترتيبات للشراء المشترك لكاسحات الجليد وتقاسم قدراتها، وإنشاء مركز للأمن البحري لمراقبة نشاط الأسطول والغواصات الروسية، ومد كابل بحري بين غرينلاند والقارة الأوروبية، مع تصور لتوسيعه لاحقًا إلى كندا واليابان وكوريا الجنوبية.

تتصل قابلية الممر للاستخدام بمنظومة أوسع تتجاوز مجرد اختصار المسافة البحرية؛ فكاسحات الجليد ضرورية لدعم عمليات العبور، والكابلات البحرية لتوفير الاتصال، وقدرات الطوارئ لدعم الأمن والسلامة، بينما تختلف وظائف الرصد بين متابعة المناخ ومراقبة التحركات العسكرية. ومع اجتماع هذه الوظائف في منطقة واحدة، تصبح ملكية التجهيزات وإدارتها وحمايتها مؤثرة في شروط استخدام الممر، ويتداخل الاستثمار التجاري مع الحسابات الأمنية.

يظهر الخلاف في النظرة إلى النشاط الصيني الروسي؛ فقد نقلت صحيفة "هوان تشيو" عن مقابلة مع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، قولها إنه على الدول الغربية منع الصين وروسيا من الهيمنة على منطقة القطب الشمالي والسيطرة على الطرق البحرية التي فتحت حديثًا فيه، لتجنب تحولها إلى نقطة اختناق استراتيجية أخرى في التجارة العالمية. وفي المقابل، تنتقد الصحيفة الاستراتيجية الأوروبية باعتبارها محكومة بمنطق المواجهة، وتنقل عن جاو جوِن جيه، الباحث بمعهد الدراسات الأوروبية في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، تفسيره بأن تعديل الاستراتيجية يعيد تعريف القطب بوصفه منطقة أمن أمامية لأوروبا، بعد أن كان التركيز سابقًا على المناخ والتنمية المستدامة. ويرى جاو أن الاتحاد الأوروبي يشدد في وثيقة التعديل الجديدة على القضايا العسكرية والأمنية، بهدف الحصول على الأولوية والمبادرة الاستراتيجية في تنمية موارد القطب الشمالي واستكشاف طرق الشحن.

يقدم الخطاب الرسمي لرئيس مجلس الدولة الصيني الممرات باعتبارها رافعة لاستقرار سلاسل الإمداد والتنمية، ويتقاطع معه تصريح ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئاسة الروسية، الذي نقلته "هوان تشيو"، ودعا فيه إلى إبقاء القطب مجالًا للتعاون المتبادل وتجنب المواجهة. وتكشف المقارنة اختلافًا في تعريف المشاركة المشروعة والمخاطر المقبولة، مع حضور المصالح التجارية والأمنية في المشهد نفسه.

أما الجدوى التجارية، فتتطلب تمييزًا إضافيًا؛ إذ تذكر الصحيفة أن خط نقل الحاويات القطبي بين الصين وأوروبا بدأ التشغيل المنتظم في أغسطس/آب 2026 عبر الممر الشمالي الشرقي، وهذه خطوة تشغيلية تختلف عن الدعوات السياسية لتطوير الممرات، لكنها تظل محدودة الدلالة في غياب بيانات كافية تتيح تقدير تنافسية الطريق على نطاق واسع.

تتجسد المفارقة في مضيق "بيرينغ"، الذي يفصل بين قارّتي آسيا وأميركا الشمالية، حيث تتجاور تصورات الربط بين روسيا وألاسكا مع تعزيز الحضور العسكري. ففي تقرير آخر لصحيفة "هوان تشيو"، نقلت فيه عن تقارير غربية أن روسيا أعادت تنشيط قواعد وأنشأت مطارات ومحطات رادار في مناطقها القطبية. كما أوردت الصحيفة تدريبات عسكرية أمريكية في أغسطس/آب تحمل الاسم الرمزي "تندرا ميرلين" في ألاسكا، وتحديدًا محيط مدينة "نوم"، امتدت إلى المنطقة المحيطة بجزيرة "سانت لورانس" التي تقع عند نقطة اختناق حيوية بين بحر "بيرينغ" والمحيط المتجمد الشمالي، إضافة إلى مناورات عسكرية أمريكية كندية مشتركة في سبتمبر/أيلول شمال ألاسكا وبحر "بيرينغ".

حسب تقرير صحيفة "هوان تشيو"، اقترح كيريل ديمترييف، الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بناء نفق "بوتين ترمب" في مضيق "بيرينغ" لربط البلدين واستكشاف الموارد الطبيعية بشكل مشترك، ضمن تصورات تشمل وصل الولايات المتحدة وكندا وروسيا والصين بالسكك الحديدية. ونقلت الصحيفة عن وكالة الأنباء الروسية أن موسكو تأمل استكمال التصميم الفني للنفق بنهاية 2026، وأن ديمترييف كشف عن توقيع اتفاق لمواصلة روسيا في التخطيط لممر النقل بين "تشوكوتكا" و"ألاسكا".

ومع ذلك، لا تخفي هذه الخطة التعاونية الطموحة التنافس الجيوسياسي الكامن في ظل الوضع المعقد في مضيق بيرينغ. وتساعد قراءة جانغ ياو، نائب مدير اللجنة الأكاديمية لمركز شنغهاي هوانتاي الدولي للأبحاث الاستراتيجية، في تفسير حدود التعاون؛ فقد صرح للصحيفة بأن الموقع والموانئ وكاسحات الجليد تمنح روسيا أفضلية مبكرة في التحكم بالممرات، تقابلها قيود اقتصادية وتكنولوجية، بينما تمتلك الدول الغربية موارد أكبر تتوزع بين أولويات متباينة وخلافات داخلية. وتفتح هذه الصورة مجالًا لبنية تجارية مشتركة، خصوصًا حول ضمان الملاحة والإنقاذ وحماية البيئة، لكن تحويلها إلى واقع عملي يتوقف على حيثيات التفاهم بشأن إدارة القدرات الداعمة للعبور. فحين تشكّل الخرائط والكابلات وكاسحات الجليد أدوات محتملة للسيطرة، يصبح الاعتماد المتبادل مصدرًا للريبة؛ إذ تكشف التقارير أن مستقبل الممرات معلّق بقدرة الأطراف على التوفيق بين الحماية وإتاحة الاستخدام، وهي معادلة تحددها قواعد التشغيل والثقة بقدر ما تحددها جغرافيا المكان.

شارك الخبر: