تنويه
هذا الخبر بعنوان "مقاربة "الصحة الواحدة" في المنطقة العربية" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتزايد الأزمات الصحية العالمية وتنتشر الأوبئة الفتاكة بسرعة غير مسبوقة، مما يطرح أسئلة وجودية تتجاوز الطب التقليدي. لم يعد من الممكن النظر إلى الجائحة كحدث بيولوجي معزول، بل كجزء من منظومة متكاملة تتطلب رؤية فلسفية جديدة تعيد الاعتبار للتكامل بين الإنسان وبيئته. تؤكد منظمات مثل المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) ومنظمة الصحة العالمية أن 60% من الأمراض المعدية التي تصيب البشر هي ذات أصل حيواني (Zoonotic Diseases)، وأن 75% من الأمراض الحيوانية المكتشفة حديثا انتقلت من الحيوانات إلى الإنسان، مثل الإيدز وجائحة كورونا (COVID-19) وإيبولا وإنفلونزا الطيور (H5N1).
في قلب هذه التحديات، تبرز المنطقة العربية وشمال أفريقيا كمنطقة تعصف بها الأزمات البيئية والصحية والسياسية المتقاطعة. مفهوم "الصحة الواحدة" (One Health) ليس مجرد نهج علمي تتبناه الهيئات الدولية (WHO, FAO, UNEP, WOAH)، بل هو ضرورة فلسفية وأخلاقية تدعونا لإعادة بناء علاقتنا بالطبيعة وتفكيك الأوهام الاستهلاكية التي أخلت بالتوازن البيئي.
تاريخياً، كان مفهوم "الصحة الواحدة" بديهية في الفكر الإنساني القديم والطب العربي الإسلامي، حيث فهم الأطباء والفلاسفة مثل ابن سينا وابن خلدون وأحمد بن الجزار القيرواني، الجسد البشري ضمن شبكة حيوية معقدة تتأثر بالبيئة. لكن الثورة الصناعية في الغرب وهيمنة النمط الرأسمالي أدت إلى تحويل الطبيعة إلى مجرد مستودع للمواد الخام، واختزال الحيوان إلى وحدة إنتاجية. وقد أدى النشاط البشري إلى تغير واضطراب ما يزيد على 75% من البيئة البرية و60% من البيئة البحرية، مما زاد من انتقال الممرضات بنسبة تزيد على 31%.
في المنطقة العربية، تتداخل الأزمات البيئية مع الهشاشة الاجتماعية والسياسية. تعاني المنطقة من ارتفاع درجات الحرارة، والإجهاد المائي الشديد، وتدهور الأراضي والجفاف، مما يهدد الواحات والمناطق الخصبة. يؤدي انحسار الغطاء النباتي إلى هجرة الحيوانات البرية نحو التجمعات السكانية، مما يضاعف الاحتكاك الحيوي. كما أن شح المياه الصالحة للشرب يدفع المجتمعات إلى الاعتماد على مصادر ملوثة، مما يعيد إنتاج أمراض قديمة مثل الكوليرا والعدوى الطفيلية.
يضاف إلى ذلك، نمط استهلاكي هجين يجمع بين الرعي الجائر والاعتماد على سلاسل التوريد العالمية. تشكل مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) أزمة بيولوجية خطيرة، حيث تستخدم المضادات الحيوية بشكل مفرط في القطاع الحيواني. تشير البيانات إلى أن نحو 70% إلى 80% من المبيعات العالمية للمضادات الحيوية تستخدم في القطاع الحيواني، مما يؤدي إلى ارتفاع نسب الميكروبات المقاومة. تتسبب مقاومة مضادات الميكروبات حاليا في وفاة نحو 1.27 مليون شخص سنويا حول العالم، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى 10 ملايين وفاة سنويا بحلول عام 2050.
تزيد الأسواق الحية والنقاط العشوائية لبيع الماشية من خطر انتقال العوامل الممرضة. وتتفاقم الهشاشة في بؤر النزاعات والحروب في اليمن وسوريا والسودان وليبيا وقطاع غزة، حيث خرجت أكثر من 50% إلى 70% من المرافق الصحية والبيطرية عن الخدمة. أدى انهيار البنية التحتية وحركة النازحين القسرية إلى توطن أمراض مشتركة خطيرة مثل داء الكلب وحمى الوادي المتصدع والليشمانيا.
يتطلب المستقبل الصحي الآمن في المنطقة العربية تجاوز المقاربات الإسعافية نحو ثورة بنيوية شاملة في الفكر والسياسات. يجب تفكيك الانعزال المعرفي والأكاديمي بين كليات الطب البشري والبيطري والعلوم البيئية. كما يجب تحقيق السيادة الإيكولوجية والغذائية من خلال دعم الزراعة المستدامة وحماية المنظومات البيئية وضبط التشريعات البيطرية. وعلى مستوى الحوكمة الإقليمية، يجب إنشاء نظام إنذار مبكر مشترك للصحة الواحدة يربط مراكز مراقبة الأمراض الصحية والبيطرية بوزارات البيئة والموارد المائية.
إن الشفاء الحقيقي والاستدامة الصحية لن يتحققا بالحلول المجتزأة، بل بإبرام صلح إيكولوجي شامل مع المحيط الحيوي الذي نشأنا فيه. يجب أن نستعيد التوازن البيئي لواحاتنا ومراعينا وبحارنا، وأن نحمي أرضنا ومياهنا ونرأف بحيواناتنا، وإلا سنظل ندفع فاتورة باهظة لنمط عيش استهلاكي يجرف الطبيعة ويختزل الإنسان.
أخبار ذات صلة
صحةآلاف المرضى في غزة يواجهون الموت البطيء بانتظار العلاج خارج القطاع
صحةمن غزة إلى المجهول: رحلة علاج معلقة للأطفال والمرضى وسط إغلاق المعبر
صحةعملية جراحية نادرة في العراق: استخراج 214 إبرة ودبوساً من بطن رجل
صحة
