قطر
اقتصاد

كهرباء لبنان: عبء المواطن وعجز المؤسسة.. أزمة تتفاقم

الجزيرة١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٨ م0 مشاهدة
كهرباء لبنان: عبء المواطن وعجز المؤسسة.. أزمة تتفاقم

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من جيب المواطن إلى عجز المؤسسة.. هكذا تتعثر كهرباء لبنان" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في منزل المواطن طه خليل ببيروت، لم تعد الكهرباء تأتي من مصدر واحد، ولم تعد تكلفتها تُدفع في فاتورة واحدة. تتوزع النفقات بين مؤسسة كهرباء لبنان والمولد الخاص، بينما تمثل 6 ألواح شمسية على سطح المنزل استثمارًا إضافيًا لجأ إليه لتأمين احتياجات أسرته وتقليل اعتماده على مصادر الكهرباء التقليدية. يعمل طه في صيانة الأدوات الكهربائية، ويعيش مع زوجته وطفليه. تصل كهرباء الدولة إليه نحو 4 ساعات يوميًا، مقابل فاتورة شهرية تبلغ 60 دولارًا (حوالي 5.37 ملايين ليرة لبنانية)، فيما يكلفه اشتراك المولد الخاص 80 دولارًا (قرابة 7.16 ملايين ليرة شهريًا). وبذلك، يدفع طه 140 دولارًا شهريًا لكهرباء الدولة والمولد، بما يعادل نحو 31% من دخله البالغ 447 دولارًا، دون احتساب كلفة منظومته الشمسية التي أنفق على تركيبها نحو 3 آلاف دولار (قرابة 268.5 مليون ليرة). ورغم أن الألواح تساعده على تقليل اعتماده على المصدرين الآخرين، فإنها لم تغنه عنهما تمامًا.

وتختصر تجربة طه واقعًا بات مألوفًا في لبنان، حيث لم يعد تأمين الكهرباء مرتبطًا بمصدر واحد، بل بنفقات متعددة يتحملها المستهلك مباشرة. وتطرح هذه المعادلة سؤالًا اقتصاديًا يتجاوز ساعات التغذية: من يتحمل الكلفة الحقيقية للطاقة؟ وهل تستطيع مؤسسة كهرباء لبنان تمويل نفقاتها من إيراداتها، أم سيظل القطاع بحاجة إلى موارد إضافية؟

تأتي هذه التساؤلات مع عودة ملف الكهرباء إلى الواجهة، بعد إعلان وزير الطاقة والمياه جو الصدي، في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، اعتكافه عن حضور جلسات مجلس الوزراء، مؤكدًا رفضه تحميل المواطنين وحدهم أعباء أزمة الطاقة. ويعيد الخلاف الحكومي ملف تمويل القطاع وكلفة الخدمة إلى الواجهة، في بلد يعتمد كثير من سكانه على المولدات الخاصة لتعويض نقص التغذية العامة.

وفي مؤشر إلى كلفة هذا البديل، حددت وزارة الطاقة والمياه السعر التوجيهي للمولدات الخاصة في سبتمبر/أيلول عند 52 ألفًا و840 ليرة لكل كيلووات/ساعة للمشتركين بالعدادات في المدن، تضاف إليها رسوم اشتراك ثابتة بحسب القدرة. ولا تمثل هذه التسعيرة فاتورة موحدة لجميع الأسر، إذ تختلف الكلفة النهائية باختلاف الاستهلاك ونوع الاشتراك.

ولا تقتصر التداعيات على المنازل؛ فالمؤسسات التجارية والصناعية والخدمية تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل معداتها وحفظ منتجاتها وتقديم خدماتها، ما يجعل الطاقة جزءًا من تكاليف الإنتاج. وقد تضطر المنشآت إلى تقليص هوامش أرباحها أو تعديل أسعارها مع ارتفاع نفقات التشغيل، وإن كان قياس انعكاس هذه الزيادة على أسعار السلع والخدمات يتطلب بيانات قطاعية تفصيلية.

قال مصدر في مؤسسة كهرباء لبنان للجزيرة نت إن المؤسسة تواجه ضغوطًا مالية وتشغيلية ناجمة عن ارتفاع كلفة إنتاج الكهرباء، ولا سيما المحروقات المتأثرة بتقلبات الأسواق العالمية، فضلًا عن نفقات الصيانة والتشغيل وتأهيل معامل الإنتاج والشبكات. وأوضح المصدر أن ارتفاع أسعار النفط يحد من قدرة المؤسسة على زيادة ساعات التغذية، في ظل الحاجة إلى الموازنة بين تكاليف الإنتاج والإيرادات المتاحة. وأضاف أن استمرار الإنتاج يتطلب انتظام إمدادات المحروقات، وصيانة المعامل والشبكات، وتحسين الجباية وتحصيل المستحقات، ولا سيما من الإدارات والمؤسسات العامة والمخيمات الفلسطينية.

وتكشف بيانات البنك الدولي عن حجم المشكلة التشغيلية؛ إذ بلغت خسائر شبكة المؤسسة نحو 40% عام 2023، توزعت بين 4% في النقل، ونحو 9% خسائر فنية في التوزيع، و25% خسائر تجارية مرتبطة بسرقة الكهرباء. وتشير هذه النسب إلى حجم الطاقة التي لا تتحول إلى إيرادات قابلة للتحصيل.

وفي شأن قدرة المؤسسة على تغطية نفقاتها من إيراداتها الذاتية، أكد المصدر أن انتظام الجباية وتحصيل الفواتير والمتأخرات أساسيان لتحسين السيولة والوفاء بالالتزامات التشغيلية. وأشار إلى أن تسديد الدولة والمؤسسات العامة فواتيرها في مواعيدها يحد من تراكم المستحقات، فيما يتطلب تحسين الأداء المالي مكافحة التعديات وضبط النفقات ورفع كفاءة الإنتاج والتشغيل.

غير أن انتظام التحصيل، رغم أهميته، لا يكفي وحده للحكم على مدى تغطية التعرفة الحالية لتكاليف الإنتاج. فذلك يتطلب مقارنة الإيرادات المحصلة فعليًا بتكاليف إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، إلى جانب تحديد قيمة المتأخرات وحجم الخسائر الفنية والتجارية. ومن دون هذه البيانات، يصعب تقدير مساهمة كل عامل في الضغوط المالية التي يواجهها القطاع.

وتظل التعرفة من أكثر المسائل حساسية في معالجة الأزمة؛ فزيادتها قد تعزز إيرادات المؤسسة إذا ترافقت مع تحسن الجباية واستمرار الاستهلاك، لكنها قد تثقل كاهل الأسر والمؤسسات ما لم تقترن بتحسن ملموس في ساعات التغذية. وفي المقابل، فإن استمرار عجز الإيرادات عن تغطية النفقات يبقي فجوة التمويل قائمة، ويثير التساؤلات بشأن سبل سدها.

وشدد مصدر المؤسسة على أهمية مراجعة التعرفة دوريًا بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج الفعلية والقدرة على التحصيل، مع مراعاة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. وتندرج هذه المراجعة ضمن معالجة أوسع تشمل تحصيل المستحقات ومكافحة الهدر والتعديات وضبط النفقات، بدلاً من الاكتفاء بزيادة الأسعار.

وفي منزل طه خليل، تتجسد هذه المعادلة بوضوح: كهرباء الدولة لا تكفي، والمولد يضيف فاتورة شهرية، والطاقة الشمسية تتطلب استثمارًا أوليًا لا يستطيع الجميع تحمله. أما على مستوى القطاع، فتتداخل تكاليف المحروقات مع مشكلات الجباية والمتأخرات وخسائر الشبكة، ليصبح تمويل الكهرباء تحديًا يتجاوز الخلاف الحكومي الراهن. ويبقى الاختبار الاقتصادي لأي إصلاح مرهونًا بقدرة الدولة على ترجمة ما يدفعه المواطنون إلى خدمة أكثر انتظامًا وأقل كلفة، وتحديد كيفية توزيع أعباء التمويل بين المستهلكين والمؤسسات العامة والخزينة، دون أن تتحول كل محاولة لمعالجة الأزمة إلى فاتورة إضافية يتحملها اللبنانيون.

شارك الخبر: