صراع الانتخابات الإسرائيلية يعطل لجان تحقيق 7 أكتوبر: من يتحمل المسؤولية؟


هذا الخبر بعنوان "لجان تحقيق 7 أكتوبر بين التعطيل وصراع الانتخابات الإسرائيلية" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لا تزال إسرائيل تواجه صعوبة في تشكيل لجنة تحقيق رسمية لكشف المسؤولية السياسية والعسكرية عن أكبر إخفاق أمني في تاريخها. تحولت المطالبة بالحقيقة إلى معركة مفتوحة بين حكومة بنيامين نتنياهو، والقضاء، والمعارضة، وعائلات الأسرى. ومع اقتراب انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يتركز الخلاف حول من يختار المحققين ويحدد صلاحياتهم، وما إذا كان نتنياهو سيستغل معركة المحاسبة لحماية مستقبله السياسي.
بدأت القصة في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما وعد نتنياهو بالتحقيق في إخفاقات الهجوم، مؤكداً أن الجميع، بمن فيهم هو، سيقدمون إجابات. لكنه ربط التحقيق بانتهاء الحرب دون تحديد آلية ملزمة. ورصد الصحفي أوفير يوناتان، في تحقيق نشرته يديعوت أحرونوت بتاريخ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، كيف تغيرت وعود نتنياهو. ففي يناير/كانون الثاني 2024، اعتبر أن التحقيق أثناء الحرب سيشغل القادة العسكريين، وفي مارس/آذار 2025، اشترط لجنة "موضوعية ومتوازنة ومستقلة". وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2025، شكك في المحققين قائلاً: "السؤال الحاسم هو من يبحث عن الحقيقة". تكشف هذه التصريحات استراتيجية تقوم على تأييد مبدأ التحقيق علناً، مع تعطيل آليته عملياً، رغم استقالة أو إقالة معظم القادة الأمنيين المؤيدين للجنة رسمية، مثل رئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي ورئيس الشاباك السابق رونين بار.
لم يكن رفض اللجنة الرسمية موقفاً ثابتاً داخل الليكود. فقد وثقت دافنا ليئيل، في تقرير للقناة 12 خلال ديسمبر/كانون الأول 2025، تراجع عدد من الوزراء عن تصريحاتهم السابقة. وزير الطاقة إيلي كوهين، الذي طالب بلجنة رسمية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصبح يتحدث عن لجنة "موضوعية" دون الالتزام بصفتها القانونية. ووزير الثقافة ميكي زوهار، الذي أيد اللجنة الرسمية في أغسطس/آب 2024، اعتبر تسميتها مسألة ثانوية بعد 4 أشهر. أما وزير الزراعة آفي ديختر، الرئيس السابق للشاباك، فقد انتقل من تأييد التحقيق الرسمي إلى القول في ديسمبر/كانون الأول 2024 إن قانون لجان التحقيق ليس نصاً مقدساً ويمكن تغييره. وتعكس هذه التحولات انتقال الخلاف من البحث عن أسباب الإخفاق إلى توحيد موقف الائتلاف خلف رئيس الحكومة، وتحديداً في مواجهة صلاحيات المحكمة العليا.
توضح الباحثتان ميريت لافي ودانا بلاندر، في دراسة للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية بتاريخ 3 سبتمبر/أيلول 2025، أن قانون عام 1968 يمنح الحكومة صلاحية تشكيل لجنة تحقيق رسمية، بينما يتولى رئيس المحكمة العليا تعيين أعضائها. وتملك اللجنة صلاحيات استدعاء الشهود وطلب الوثائق وإصدار توصيات. وفي المقابل، تستطيع الحكومة التأثير بصورة أوسع في تشكيل لجنة تحقيق حكومية، كما حدث في لجنة فينوغراد عام 2006. ويرفض نتنياهو منح رئيس المحكمة العليا إسحاق عميت صلاحية اختيار المحققين، متهماً القضاء بالانحياز، ويقترح لجنة يختار الائتلاف نصف أعضائها والمعارضة النصف الآخر، مستشهداً بلجنة التحقيق الأمريكية في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وتحذر بلاندر من تحويل التحقيق إلى مساومات سياسية، معتبرة أن استقلالية تعيين الأعضاء شرط لاستعادة الثقة العامة.
رغم غياب اللجنة الرسمية، تشكلت لجنة مدنية مستقلة برئاسة القاضية المتقاعدة فاردا ألشيخ، وأعلنت نتائجها في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. حمّلت اللجنة نتنياهو وقيادات المؤسسة الأمنية مسؤوليات عن الإخفاق، وانتقدت التصورات الأمنية التي قللت من قدرات حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إلى جانب إخفاقات تعود إلى حكومات سابقة. لكن اللجنة افتقرت إلى الصلاحيات القانونية لإجبار المسؤولين على الإدلاء بشهاداتهم أو تسليم الوثائق السرية. وفي 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نشر الجيش الإسرائيلي خلاصة تحقيقاته الداخلية، محدداً 6 إخفاقات، أبرزها الفشل الاستخباراتي، وتجاهل خطة "جدار أريحا"، وسوء الاستعداد العملياتي، وخلل اتخاذ القرارات ليلة الهجوم. غير أن الجيش أقر بأن التحقيقات لم تشمل العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية.
تعمقت المواجهة مع تصاعد الخلاف بين نتنياهو ورونين بار بشأن التحذيرات السابقة للهجوم. اتهم رئيس الوزراء بار بتضليل الرأي العام، بعدما رفع الأخير دعوى تشهير بمبلغ 3 ملايين شيكل، تضمنت إشارات إلى 22 اجتماعاً وتحذيراً أمنياً سبقت الهجوم. ادعى نتنياهو أنه قدم لمراقب الدولة نحو ألف وثيقة تدحض اتهامات بار، مستشهداً بتقدير استخباراتي من 3 أكتوبر/تشرين الأول 2023 اعتبر أن تفاهمات التهدئة مع حماس قد تحفظ الاستقرار في غزة. تكشف هذه المواجهة أن تحقيقاً شاملاً لن يقتصر على ساعات الهجوم، بل سيمتد إلى التحذيرات السابقة، وسياسات التعامل مع حركة حماس، وتوزيع المسؤوليات بين الأجهزة الأمنية ورئاسة الحكومة.
انتقلت المواجهة إلى الكنيست مع مشروع النائب أريئيل كلنر لتشكيل لجنة تحقيق "رسمية وطنية"، يختار الائتلاف 3 من أعضائها والمعارضة 3 آخرين، مع استبعاد فئات من المرشحين المحتملين. وفي 9 يونيو/حزيران 2026، أقرت لجنة الدستور صيغة تسمح للجنة بالعمل بـ3 أعضاء فقط عند غياب الآخرين، مما قد يمنح ممثلي الائتلاف القدرة على العمل دون مشاركة المعارضة. ثم أقر الكنيست المشروع بالقراءة الأولى في 6 يوليو/تموز، بأغلبية 59 صوتاً ودون معارضة، إثر مقاطعة نواب المعارضة وغياب نتنياهو. لكن التشريع لم يُستكمل، مما أبقى اللجنة المقترحة حبراً على ورق.
ألزمت المحكمة العليا الحكومة بتوضيح أسباب امتناعها عن تشكيل لجنة رسمية، لكنها قررت في 23 سبتمبر/أيلول 2026 تأجيل الحسم إلى ما بعد الانتخابات، وألزمت الحكومة بتحديث موقفها بحلول يناير/كانون الثاني 2027. وفي مسار مواز، أعلنت مؤسسة مراقب الدولة أن المحكمة أوقفت 4 تحقيقات أساسية تتعلق بالإخفاقات الأمنية والسياسية. وتوضح بلاندر أن رقابة مراقب الدولة تختلف عن التحقيق الرسمي؛ فالأولى تفحص سلامة الإدارة والقرارات، بينما يستطيع الثاني بناء صورة شاملة للمسؤوليات.
دخلت عائلات القتلى والأسرى المواجهة باعتبارها قضية حق في معرفة الحقيقة. انتقد "مجلس أكتوبر"، الذي يضم عائلات متضررة، مشروع اللجنة السياسية، معتبراً أن الحكومة التي وقع الهجوم خلال ولايتها لا تستطيع الانفراد بتحديد آلية التحقيق. اتجهت العائلات للضغط على النواب الحريديم لمنع تمرير المشروع، مستفيدة من خلافاتهم مع الليكود بشأن قانون التجنيد. وهكذا تحولت العائلات من طرف يطالب بإجابات إلى قوة ضغط داخل التوازنات البرلمانية.
أظهر استطلاع للقناة 12، بتاريخ 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تأييد 66% للجنة رسمية مقابل معارضة 21%، بينما اعتبر 65% أن نتنياهو يتحمل مسؤولية كبيرة عن الإخفاق. وفي المقابل، تعهد قادة المعارضة غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان بتشكيل لجنة رسمية فور تشكيل الحكومة المقبلة. أما حزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش، فيرفض اللجنة التي يعين رئيس المحكمة العليا أعضاءها، بينما تدعو القائمة المشتركة إلى توسيع التحقيق ليشمل سياسات الاحتلال والحصار. وتعكس هذه المواقف انتقال القضية من جدل بشأن الماضي إلى اختبار لتركيبة السلطة المقبلة.
في الخلاصة، لم يعد تعطيل لجنة التحقيق مجرد خلاف قانوني، بل أصبح صراعاً على تحديد المسؤولية السياسية والأمنية عن 7 أكتوبر. يراهن نتنياهو على تغيير هوية المحققين أو كسب الوقت انتخابياً، بينما تراهن المعارضة وعائلات القتلى والأسرى على لجنة مستقلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة