مخاوف برلين المتصاعدة: هل تستعد روسيا لهجوم على الناتو بحلول 2029؟


هذا الخبر بعنوان "ما الذي يخيف برلين؟ سيناريو الهجوم الروسي الذي يؤرق الناتو" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أغسطس/آب 2026، هبطت طائرة نقل عسكرية أمريكية من طراز C-17 Globemaster III في مطار فنوكوفو بموسكو دون سابق إنذار. كان على متنها مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف، في زيارة هي الأولى لمدير الوكالة إلى العاصمة الروسية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021. صرح المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن راتكليف لم يلتقِ الرئيس فلاديمير بوتين، وأن الزيارة اقتصرت على "اتصالات عبر الأجهزة الأمنية"، دون الكشف عن تفاصيلها، مؤكدًا أن بوتين قد أُطلع على نتائجها. لاحقًا، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن راتكليف زار موسكو لتحذيرها من مغبة الاعتداء على أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفى ذلك في اليوم التالي، واصفًا الزيارة بأنها "شبه روتينية" ولا علاقة لها بتحركات روسية محتملة لاختبار الحلف. هذا التباين في الروايات يثير تساؤلات حول حقيقة قلق الحلف، خاصة جناحه الشرقي، من هجوم روسي محتمل، والذي بلغ حد إرسال رئيس الاستخبارات الأمريكية بنفسه إلى موسكو. كانت الصحيفة نفسها قد نشرت سابقًا تقريرًا عن تقديرات استخباراتية أمريكية تفيد بأن روسيا قد تختبر تماسك الحلف والتزام دوله بالمادة الخامسة من ميثاقه عبر توغل محدود. في ألمانيا، تحول هذا القلق إلى هاجس وطني، حيث تتوالى التحذيرات من مسؤولين سياسيين وعسكريين وأمنيين حول قدرة روسيا على مهاجمة دول الناتو بحلول عام 2029. فقد صرح المفتش العام للجيش الألماني الجنرال كارستن بروير في أبريل/نيسان 2024، خلال زيارة إلى بولندا، بأن روسيا قد تكون جاهزة عسكريًا لمهاجمة دول الناتو خلال خمس إلى ثماني سنوات، بعد إعادة بناء قواتها المتضررة من حرب أوكرانيا، مشيرًا إلى أن روسيا تنتج كميات كبيرة من العتاد لا ترسلها كلها إلى الجبهة. وكرر بروير تحذيره في مارس/آذار 2026، مؤكدًا أن وتيرة إعادة التسلح الروسية أصبحت أسرع من أي وقت مضى. في يونيو/حزيران 2024، دعا وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الجيش الألماني (البوندسفير) إلى أن يكون جاهزًا للقتال بحلول 2029. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، صرح رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني آنذاك برونو كال بأن القوات الروسية ستكون قادرة على مهاجمة الناتو بحلول نهاية العقد على أبعد تقدير، وهو تحذير كرره خلفه مارتن ييغر. كما حذر قائد القوات البرية الألمانية الفريق كريستيان فرويدينغ في يونيو/حزيران 2026 من نفس الأمر، مؤكدًا أن هذا التقدير يُجمع عليه 32 دولة عضو في الحلف. وتستند هذه التقديرات إلى حسابات متقابلة لوتيرة إعادة بناء روسيا لجيشها ووتيرة استعداد أوروبا البطيئة. وقد أظهر مسح لمركز بيلفر بجامعة هارفارد أن تقديرات المسؤولين الغربيين لموعد الخطر تتراوح بين منتصف العقد ومطلع الثلاثينيات، مع تقدير الأمين العام السابق للحلف ينس ستولتنبرغ بأن بوتين قد يحاول خلال ثلاث إلى خمس سنوات اختبار مصداقية الناتو بمهاجمة دولة حدودية صغيرة، على الأرجح في منطقة البلطيق. هذه المخاوف، رغم أنها ليست جديدة، إلا أن نبرتها أصبحت أكثر صراحة في خطاب عواصم الحلف. فهل تقترب أوروبا فعلًا من مواجهة مع روسيا، أم أن هذه المخاوف مبالغ فيها في ظل العقوبات وانشغال روسيا بحربها في أوكرانيا؟
روسيا تعيد بناء جيشها
في دراسة صدرت عام 2023 عن المجلس الألماني للعلاقات الخارجية (DGAP)، رجّح الباحثان كريستيان مولينغ وتوربن شوتس أن روسيا تحتاج إلى ما بين ست وعشر سنوات بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا لإعادة بناء قواتها المسلحة. وتشير الدراسة إلى أن القوات البرية وأسطول البحر الأسود تحمّلا الجزء الأكبر من الخسائر في أوكرانيا، بينما بقيت القوات الجوية بمنأى نسبيًا. وترجّح الدراسة أن روسيا قادرة على تدريب نحو 280 ألف جندي سنويًا، مما يتيح لها تعبئة 1.7 مليون جندي خلال ست سنوات، أو 2.8 مليون خلال عشر سنوات، وبالتالي تعويض خسائرها البشرية. ويكمن الخطر في أن الوقت الذي يحتاجه الناتو ليصبح قادرًا على ردع روسيا أطول من الوقت الذي تحتاجه روسيا لإعادة بناء جيشها، مما يمنح موسكو زمام المبادرة. ومع ذلك، فإن أجهزة الاستخبارات الغربية ترى أن روسيا تعيد بناء جيشها بصرف النظر عن مآل الحرب في أوكرانيا، وأن برنامج التحديث طويل المدى موجه نحو الناتو.
مواقع عسكرية جديدة على حدود الناتو
يُظهر تحقيق لصحيفة تلغراف البريطانية، بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية، خمسة مواقع عسكرية روسية يجري تحديثها أو إنشاؤها قرب حدود الناتو، حيث يتكثف الوجود العسكري الروسي على حدود دول البلطيق ودول الشمال الأوروبي في شمال غرب روسيا. ويُعتقد أن هذه المواقع قد تكون قادرة على إسناد أكثر من مئة ألف عسكري. أحد هذه المواقع في منطقة بيتشينغا، على بُعد نحو عشرة كيلومترات فقط من الحدود النرويجية، حيث تُبنى ثكنات عسكرية ومخازن للذخيرة. وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن إنشاء الموقع يأتي في إطار توسيع اللواء المتمركز هناك إلى فرقة كاملة. وتجري أعمال التطوير والتوسعة على قدم وساق في المواقع الأربعة الأخرى، وكلها قريبة من حدود الحلف، ما قد يدل على خطة روسية طويلة الأمد لتعزيز قواتها على هذه الحدود. قاعدة بالتييسك البحرية في مقاطعة كالينينغراد، وهي إقليم روسي منفصل عن البر الرئيسي، تشهد أيضًا توسعًا عسكريًا. وإلى جانب هذه المواقع العامة، رُصدت عشرة مواقع أخرى مخصصة لإطلاق المسيّرات بعيدة المدى. ويتصل التوسع في المواقع بتحوّل آخر لا يقل أهمية، هو إعادة هيكلة الجيش الروسي، الذي عاد إلى التقسيم التقليدي القائم على الفيالق والفرق والألوية، وهو ما يجعله أبطأ حركة ولكنه أنسب لحروب الاستنزاف الطويلة. وفي فبراير/شباط 2024، قسّمت روسيا المنطقة العسكرية الغربية إلى منطقتين: منطقة موسكو العسكرية لحماية العاصمة، ومنطقة لينينغراد العسكرية في مواجهة الناتو.
الصناعات العسكرية الروسية
ورثت روسيا عن الاتحاد السوفيتي عددًا كبيرًا من منشآت الصناعة العسكرية. وقد ساعدت إعادة هيكلة الصناعة في حرب أوكرانيا، حيث نجحت في إمداد الجبهة بالسلاح وتكيّفت بمرونة مع التحولات، مثل الانتشار الواسع للمسيّرات والحرب الإلكترونية وإدخال الذكاء الاصطناعي. ويخلص تقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن الصناعة الدفاعية الروسية مرجّح أن تبقى في وضع الحرب حتى لو توقف القتال في أوكرانيا، بينما لا يُتوقع أن تصل تعبئة الصناعات الغربية إلى المستوى نفسه قبل اندلاع حرب كبرى فعلًا. ومن أبرز برامج التحديث الروسية ما يتعلق بأسطول الدبابات، حيث تعمل روسيا على تحديث دبابات المخزون السوفيتي وتزويدها بتقنيات حديثة، وتتوسع في الوقت نفسه في إنتاج أحدث أجيال عائلة تي-90، وهي الدبابة تي-90 إم. وتستهدف موسكو رفع إنتاج الدبابات الجديدة إلى ألف دبابة بين عامي 2027 و2029. وقد قدّر بروير أن الجيش الروسي يضيف ما بين ألف و1500 دبابة سنويًا، في حين لا تملك أكبر خمس دول أوروبية في الحلف مجتمعة سوى نصف هذا العدد. وتُعد شركة
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة