إبل الرقة في خطر: نزوح وألغام وكلفة علف تهدد بقاء مهنة عريقة


هذا الخبر بعنوان "إبل الرقة تبحث عن مرعاها.. نزوح وألغام وكلفة علف تهدد المهنة" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الإبل بالنسبة لمربيها في الرقة السورية مجرد مصدر للرزق، بل أصبحت نمط حياة متوارث عبر الأجيال. إلا أن المراعي الطبيعية التي كانت تعتمد عليها قطعان الإبل في البادية السورية أصبحت بعيدة المنال أو محفوفة بالمخاطر. كما أن الانتقال إلى المناطق الزراعية شمالي الرقة لا يوفر البيئة المناسبة من حيث الرعاية والمساحات المفتوحة التي تحتاجها هذه الحيوانات.
يشير أحد مربي الإبل إلى أن أسرته اعتمدت على تربية الإبل لأجيال، لكن النزوح من البادية إلى منطقة الزور شمالي الرقة وضع القطعان في بيئة غريبة عن مرعاها التقليدي. وأصبح المربون يعتمدون على ما يتوفر من نباتات جافة أو أعلاف يشترونها من السوق، في ظل غياب الدعم المنتظم. ولا يقتصر تأثير ذلك على تكلفة الإطعام فحسب؛ فمربي كان يمتلك حوالي 200 رأس، يجد أن قطيعه تقلص خلال 15 عامًا إلى ما بين 40 و50 رأسًا، مرجعًا ذلك إلى ندرة المراعي وارتفاع تكلفة العلف وضعف القدرة على رعاية صغار الإبل.
في رواية مربي آخر، كانت البادية الواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات مرعى مفتوحًا للقطعان قبل أن تدفع الحرب سكانها إلى النزوح نحو منطقة الجزيرة شرق النهر. ومع ذلك، لا تزال العودة إلى مناطق الرعي القديمة صعبة للغاية بسبب خطر الألغام ومخلفات الحرب. وقد تراجع قطيعه من 300 رأس إلى 90 رأسًا، مما اضطره إلى البيع لتغطية نفقات العلف والمعيشة. وتفيد تقارير أممية بأن مخلفات الحرب والألغام لا تزال تلوث مناطق في الرقة ودير الزور ومحافظات سورية أخرى، مما يحد من حركة السكان والرعاة الآمنة.
تبدو الأزمة هنا أعمق من مجرد موسم جفاف أو ارتفاع مؤقت في أسعار العلف. فعندما يفقد الراعي القدرة على الوصول إلى المرعى، يتحول قطيع الإبل من مصدر رزق يعتمد على التنقل والرعي إلى عبء مالي يتطلب شراء الغذاء والرعاية بشكل مستمر.
يقدر ممثل لجمعية مربي الإبل في الرقة تراجع أعداد الإبل المرتبطة بالجمعية من نطاق يتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف رأس سابقًا إلى ما بين ألف و1500 رأس حاليًا. ويعزو ذلك إلى محدودية الأعلاف والرعاية البيطرية، بالإضافة إلى انتشار الأمراض الجلدية التي تحتاج إلى متابعة وعلاج.
تظهر بيانات المنظمة العالمية لصحة الحيوان أن عدد الإبل في سوريا بلغ 39,701 رأس عام 2020، لكن هذه البيانات وطنية وأقدم ولا تسمح بقياس التغير في الرقة وحدها.
ألوان الإبل وذاكرة المهنة:
لا يتحدث المربون عن قطيع متجانس، بل عن ألوان وأنواع حفظتها الذاكرة البدوية عبر الأجيال. فمنها المغاتير أو الوضح ذات اللون الأبيض، والصفر المنتشرة لدى مربي الرقة، والشعل، والشقح، إلى جانب الحمر التي يقول أحد المربين إنها أقل وجودًا في المنطقة. وتعكس هذه التسميات صلة تربية الإبل بثقافة البدو في سوريا، إذ ظلت تربية الإبل والأغنام ونمط الترحال بحثًا عن الماء والكلأ من ركائز الحياة البدوية في مناطق الرقة ودير الزور والبادية الوسطى.
لكن الحفاظ على هذا الإرث لا يقتصر على الاحتفاء بصورته الثقافية، بل يطالب المربون بدعم للأعلاف وخدمات بيطرية ومساعدة تتيح لهم استعادة الرعي الآمن، قبل أن يضطر المزيد منهم إلى بيع قطعانهم.
معركة بقاء:
تختصر شهادات المربين تغيرًا أكبر من مجرد تراجع أعداد الرؤوس. فالإبل التي كانت تتنقل بين مراعي البادية أصبحت محصورة في مساحات محدودة، بينما أصبح المربي محاصرًا بين أسعار السوق ومخاطر العودة إلى المناطق التي اعتاد الرعي فيها. لذلك، فإن إنقاذ ما تبقى من قطعان الإبل في الرقة لا يبدأ بالعلف وحده، بل بفتح مسارات رعي آمنة، وتوفير متابعة بيطرية، وتوثيق أعداد القطعان وسلالاتها. عندها فقط يمكن أن تتحول مطالب المربين من استغاثة للبقاء إلى خطة تحمي مهنة استمرت في البادية السورية لأجيال.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد