قصة حب تتحدى السجن والإبعاد: محمد أبو حميد ووردة ينتصران على قيود الاحتلال


هذا الخبر بعنوان "وردة والأسير المحرر أبو حميد.. قصة حب كسرت مؤبد الاحتلال وتحدت المنافي" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في شقة متواضعة شرق القاهرة، تتجسد روح فلسطين من خلال خرائط البلاد، ومفتاح العودة، ومجسم قبة الصخرة. هنا، يجلس الأسير المحرر محمد أبو حميد، مستعيداً ذكريات 23 عاماً خلف القضبان الإسرائيلية، حكماً بالمؤبد مرتين وثلاثين عاماً إضافية، وحرية منقوصة قادته إلى المنفى. بجانبه تجلس زوجته وردة، تروي قصة حبهما الاستثنائية التي ولدت عبر هاتف مهرب داخل المعتقل، لتتوج بزواج انتزعاه من براثن السجان ومماطلات الاحتلال.
أين سأُدفن؟
لم يشغل قرار الإبعاد خارج الوطن محمد أبو حميد كثيراً عند الإفراج عنه ضمن صفقة الأسرى في نوفمبر 2025، بقدر ما أقلقه سؤال الرحيل الأخير: "حين أموت، أين سأدفن؟". هذا السؤال آلمه، فهو الذي بذل زهرة شبابه وجهاده فداءً للأرض، ولا يطلب تكريماً أعظم من أن يُدفن في ثراها. هذه الصلابة تجلت أيضاً في التحقيق الأخير قبيل الترحيل، حيث واجه ضابطاً إسرائيلياً بسؤال قاطع: "بعد كل هذا التاريخ من التضحية والدماء، تسألني أين أكون؟!". وعندما أُبلغ بطرده إلى مصر، رد بحزم: "أنا لست مطروداً عن فلسطين؛ فمصر بيتي الثاني، وامتداد قضيتي، وقلب العالم العربي، سأحيا فيها حراً بكرامتي كجزء أصيل من أهلها".
صبر الخنساء: ملحمة عائلة أبو حميد
حكاية محمد هي فصل من ملحمة عائلية أسطورية؛ عشرة أشقاء من عائلة أبو حميد تشاطروا عتمة الزنازين، ودفعوا 150 عاماً من أعمارهم ثمناً لحرية بلادهم. هدم الاحتلال بيتهم في مخيم الأمعري خمس مرات، وقدمت العائلة شهيدين، أبرزهما القائد ناصر أبو حميد الذي استشهد في الأسر عام 2022 جراء الإهمال الطبي المتعمد، وما زال جثمانه محتجزاً. في صفقة التبادل الأخيرة، خرج ثلاثة إخوة إلى النور، لكن شقيقهم الرابع "إسلام" ما زال خلف القضبان بالمؤبد، وناصر جثمانه محتجز. في قلب هذه التضحيات تقف الحاجة لطيفة، "خنساء فلسطين"، التي تجرعت وجع المنع من السفر، لكنها تؤكد استعدادها لتقديم سائر أبنائها قرابين على مذبح الحرية، موقنة بأن صون الكرامة لا يتم بالدموع بل بالثبات.
وردة.. الزهرة التي شقت صخر المؤبد
كيف يتسع قلب محكوم عليه بالمؤبد لعاطفة العشق؟ قاوم الأسرى هذا الموات بابتداع أدوات للصمود، منها هواتف خلوية صغيرة تُهرب إلى الزنازين. في عام 2017، بينما كان محمد يتابع قضية قانونية لأحد أشقائه، كانت وردة تعمل سكرتيرة في مكتب محاماة. بدأت المكالمات بتحفظ، ثم تكشفت خيوط القدر. عرفت وردة ملامح محمد وتاريخ عائلته المناضلة. أدرك محمد "فداحة أن تربط حياة شابة برجل يواجه السجن مدى الحياة"، صارحها بحكمه بالمؤبد. هنا، تدخل شقيقه الشهيد ناصر، وقال لوردة بصراحة: "محمد يحبك ويريدك". جاء ردها عهداً نضالياً: "ليس مكتوباً عليكم وحدكم أن تدفعوا الفاتورة.. أنا ابنة هذه الأرض، وأريد أن أكون شريكة في التضحية والمعاناة". رغم تحذيرات والدها، تمسكت وردة بموقفها، ولقيت مباركة عمها. في عام 2021، أُبرم عقد الزواج عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واحتفل الأسرى بزفة كسر صداها صمت جدران الزنازين. جلست العروس وحيدة في منصتها، وبجوارها صورة كبيرة للعريس الغائب، ونثرت يقيناً عجيباً: "عندي إيمان بأن محمداً لن يتم خمس سنوات في السجن"؛ نبوءة تحققت في عام 2026 حين تحرر محمد بعد خمس سنوات بالضبط من عقد القران.
لم الشمل.. معركة جديدة
لم تنتهِ المعاناة بكسر القيد، بل فتح الإبعاد باباً جديداً من التنكيل. خاض الزوجان معركة قضائية مريرة لنيل حق لم الشمل. أعادت سلطات الاحتلال وردة عن معبر الجسر عدة مرات، وفي كل مرة كانت تتجرع مرارة الانتظار والرفض. وحتى حين انتزعت حكماً يسمح بسفرها مبعدة لأربع سنوات، واصلت النيابة العسكرية المماطلة. لكن صمودهما انتصر في النهاية، لتصل وردة إلى القاهرة ويجتمعا معاً في لقاء وصفه محمد بأنه "انتصار حقيقي انتزعناه بالصبر والدموع والدعاء"، مستحضراً مقطع الفيديو الذي وثق صرخته الأولى في الهاتف لحظة الإفراج عنه وهو يهتف لها: "أنا حر".
7 أكتوبر.. ثمن الحرية
يرى محمد أن مأساة فلسطين لم تنفجر في خريف 2023، بل تجذرت في النكبة عام 1948. ويؤكد أن للحرية ثمناً باهظاً. يقول بحزن باسم رفاق القيد: "لو خُيّرنا نحن الأسرى بين كسر قيودنا وبين قطرة دم واحدة سالت في غزة، لاخترنا البقاء في الزنازين دهراً". يستعيد محمد بشاعة الأيام التي أعقبت معركة أكتوبر، حين تحولت السجون إلى مقابر مظلمة تُمارس فيها أشكال الإبادة البطيئة. جُرد الأسرى من كل شيء، لكنهم استطاعوا الحفاظ على راديو صغير مهرب، يسترقون السمع عبره لنصف ساعة يومياً لنقل أخبار شعبهم. يصف تلك المرحلة باختناق: "اجتمعت على الأسير كل آفات الأرض دفعة واحدة؛ جوع كافر، وبرد ينهش العظام، وأمراض تتفشى بلا دواء، وعزلة خانقة عن الكون".
البرغوثي المعلم وسلامة الملهم
بين طيات سنوات الأسر، يسطر محمد شهادة للتاريخ في حق قائدين عايشهما: مروان البرغوثي وحسن سلامة. يذكر أبو حميد البرغوثي، واصفاً إياه بـ"الأب والمعلم" الذي قاد ثورة تعليمية داخل السجون، ناسجاً خيوط التنسيق مع الجامعات الفلسطينية. وتذكر محمد، وهو ابن كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، ثلاثين يوماً قضاها في العزل الانفرادي، حيث كان حسن سلامة جاره في الزنزانة. سمع محمد قوات القمع تتجهز لاقتحام زنزانة سلامة بالكلاب البوليسية، فهرع لتحذيره: "أبو علي، إنهم يستعدون للاقتحام بالكلاب، ارتدِ ما يقيك واحتمِ بأي شيء". فأجابه سلامة بلسان المؤمن الراسخ: "يا أبو ناصر، لن يفعلوا بي سوى ما قضاه وكتبه الله، فلا تقلق". يعلق محمد بخشوع: "لم يكن يكترث ببطشهم ولا بعددهم، كان غارقاً في يقين وتسليم مطلق لإرادة الله، وتلك الكلمات هي التي شحنت روحي بطاقة صمود متجددة".
اليوم، في هذا البيت الفلسطيني المقام على الأراضي المصرية والمطل على الغربة، تقف حكاية محمد ووردة شاهداً على ملحمة، تثبت أن الحرية فكرة عصية على القيود والأسوار وأن الحب يمكن أن يكون أداة للمقاومة لا تقل في تأثيرها عن البارود والرصاص.
ثقافة
ثقافة
سياسة
ثقافة