قطر
اقتصاد

الاقتصاد السوري بين مطرقة تحديات التعافي وسندان مخاوف الديون وإعادة الإعمار

الجزيرة٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٤٥ ص0 مشاهدة
الاقتصاد السوري بين مطرقة تحديات التعافي وسندان مخاوف الديون وإعادة الإعمار

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سوريا.. اقتصاد مثقل بتحديات التعافي ومخاطر الاقتراض وإعادة الإعمار" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تواجه الحكومة السورية الجديدة مهمة معقدة تتمثل في إعادة تنشيط الاقتصاد، واستعادة ثقة المستثمرين، وتحسين الظروف المعيشية، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني من تداعيات سنوات الحرب والعقوبات ومحدودية الموارد. وبين الحاجة إلى التمويل الخارجي ومخاطر الاعتماد على الديون، تبرز أسئلة حول المشهد الاقتصادي في سوريا اليوم، وهل تملك الحكومة أدوات النهوض دون الوقوع في مطبات الديون أو تهميش الفئات الأكثر هشاشة، إضافة لقدرتها على إطلاق مسار تعافٍ اقتصادي مستدام، وهو ما ناقشته الحلقة الثانية من بودكاست " داخل سوريا " على منصة "سوريا الآن"، التي استضافت الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور كرم شعار.

يرى شعار أن التغيير السياسي الكبير في سوريا، فتح الباب أمام توقعات بتحولات اقتصادية أوسع، لكن المسار الذي اتخذته السياسات الحكومية لم يلبِّ جميع هذه التوقعات وفق قراءته. ويشير أن النموذج الاقتصادي الذي بدا أن السلطات السورية تبنته في المرحلة الأولى بعد سقوط الأسد، هو رؤية ليبرالية تفتح باب الخصخصة مع تقليص دور الحكومة، وتشجيع المنافسة. لكن مع تشكيل حكومة مارس/آذار 2025، توقف الحديث نهائياً عن الخصخصة، وفق شعار، وسقط مبدأ رفض القروض بالمطلق، لتتجه الدولة نحو قبول قروض ميسرة. ويؤكد الباحث أن هذا التحول الحكومي كان براغماتيا وضروريا للتعامل مع واقع الأزمة الاقتصادية، بغض النظر عن تناقضه مع الخطاب النظري الأول.

ويجيب شعار بحسم أن العقوبات لم تعد هي العائق الأكبر في سوريا اليوم، بل المشكلة الحقيقية تكمن في "عجز الحوكمة وبناء المؤسسات". فالأرقام الرسمية تكشف "كارثة مالية"، حيث تقلصت الإيرادات العامة لموازنة الدولة بصورة هائلةلتتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار فقط في عام 2025، بعد أن كانت نحو 12 مليار دولار في عام 2010. وأمام واقع يعيش فيه نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، يشدد شعار على أن الحل لا يكمن في مجرد نظريات اقتصادية حرّة، بل في تبني نموذج عملي يضع في أولوياته تأمين قوت الناس ومكافحة البطالة الحادة عبر التركيز على قطاعات كثيفة العمالة مثل الزراعة والأشغال العامة، وذلك لمنع انزلاق الفراغ المعيشي نحو الجريمة أو النزاعات مجددا.

ويصف كرم شعار الرفض المطلق للقروض بأنه "مقاربة مضللة"، ويقدم إجابة مفصلة عبر تقسيم القروض إلى ثلاثة مستويات رئيسية، هي: القروض الاستغلالية (الربوية) التي تعتبر "مرفوضة تماما لكونها شراكا سياسية ومالية تفلس الدول"، وقروض صندوق النقد الدولي التي تفرض شروطا وهيكلة صارمة قد لا تتحملها هشاشة المرحلة الحالية، والقروض الميسرة التي تقدمها مؤسسات التنمية الدولية والبنك الدولي بفوائد تكاد تكون منعدمة، وهي "ضرورة ملحة".

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن العقوبات الموجهة لعبت دورا محوريا في خنق نظام الأسد ثم سقوطه. ورغم رفع عقوبات مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وقانون قيصر، وما تلاها من قانون محاسبة سوريا ورفعها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، يتبقى أثر "صداع العقوبات" وهي حالة تردد تنتاب الشركات ورجال الأعمال الدوليين في استعادة الثقة الكاملة للعودة والاستثمار في السوق السورية رغم زوال الحظر الرسمي.

ويفكك شعار أزمة ارتفاع الأسعار في الأسواق عبر تحديد سببين رئيسيين: الأول هو تمويل العجز عبر السيولة الرقمية، والثاني هو انفجار الواردات، حيث أدى فتح الأسواق للواردات دون قيود إلى مضاعفة حجمها خلال عام واحد، مستنزفا العملة الأجنبية ومغذيا لتدهور الصرف وغلاء المعيشة. ويبرر شعار خطوة رفع أجور موظفي القطاع العام باعتبارها سياسة إعادة توزيع ضرورية ولازمة.

وبينما يرفض شعار أي محاولات وهمية أو مصطنعة لتثبيت سعر الصرف بالطرق الإدارية القديمة، يوضح أن "سعر الصرف الحقيقي يجب أن يعكس حجم التعافي الإنتاجي والتجاري الفعلي للبلاد"، مؤكدا أن استقرار العملة على المدى المتوسط لا يتحقق عبر القرارات البوليسية بل عبر جذب تدفقات نقدية حقيقية، عودة المغتربين، وتنشيط قطاعات التصدير.

ويؤكد شعار أن رجال الأعمال والمستثمرين الخارجيين يبحثون عن "بيئة أعمال آمنة وقابلة للتنبؤ"، ويشمل ذلك "وضع قانون استثمار حديث ومستقر، إصلاح القضاء التجاري، وتوفير البنى التحتية الأساسية وعلى رأسها الطاقة والكهرباء"، محذرا من أن بقاء البيروقراطية الإدارية القديمة يعرقل أي تدفق حقيقي لرؤوس الأموال.

وفي ملف الطاقة، يرى الباحث الاقتصادي أن دعم الطاقة والمشتقات النفطية كان ولا يزال "النزيف الأكبر" في موازنة الدولة، مقترحا الانتقال من الدعم العيني إلى "الدعم النقدي المباشر" للمواطنين المستحقين بالتوازي مع تحرير أسعار الطاقة تدريجيا.

وفي الختام، يرفض شعار التشاؤم المطلق مؤكدا أن الاقتصاد السوري محكوم بالنمو حتما بحكم التعافي الطبيعي، غير أنه يحذر من "خطورة اتخاذ قرارات مصيرية كبرى كإعادة صياغة الضرائب أو أصول الدولة بمعزل عن حوار مجتمعي ومؤسسي شامل".

شارك الخبر: