لماذا لا تعتمد أسعار الوقود العالمية على سعر النفط وحده؟ تحليل لأزمات التكرير والإمداد


هذا الخبر بعنوان "أسعار الوقود عبر العالم.. هل يحددها فقط سعر النفط؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قد تتابع تحركات أسعار برميل النفط يوميا، وتتوقع أن تدفع أكثر مقابل الوقود، لكن ما قد يفاجئك أن فاتورتك ربما ترتفع بوتيرة أسرع بكثير. في سوريا، أعادت الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات هذا الفارق إلى الواجهة؛ فمنذ 13 سبتمبر/أيلول الجاري، ارتفع سعر لتر المازوت (الديزل) بنسبة 40%، والبنزين أوكتان 95 بنحو 28.3% مقارنة بالتسعيرة السابقة. وعند النظر إلى فترة أطول، يتضح أن سعر البنزين أوكتان 95 ارتفع بنحو 86% منذ فبراير/شباط، وتجاوز سعر المازوت ضعف مستواه آنذاك، بينما ارتفع خام برنت بنحو 44%، وهكذا لا يكفي تتبع سعر البرميل لفهم ما يدفعه المستهلك.
ومن جانبها، أرجعت وزارة الطاقة القرار إلى نقص المشتقات الجاهزة واضطرابات التكرير والإمداد، بالتزامن مع توقف مصفاة بانياس لإجراء أعمال الصيانة، مما زاد حاجة البلاد إلى الاستيراد. فما الذي يحدث بين الخام والوقود؟ وكيف تتحول اضطرابات الإنتاج والتكرير والتجارة إلى فاتورة أعلى عند المضخة؟ ولماذا يبرز الديزل بوصفه إحدى أشد حلقات الأزمة؟
عندما تشتري لترا من الوقود، فأنت لا تدفع ثمن المادة الخام فقط، بل أيضا ثمن التكرير والتوزيع والنقل وتكاليف أخرى. وتربط وزارة الطاقة الزيادة بارتفاع تكلفة شراء المشتقات ونقلها، بالتزامن مع توقف مصفاة بانياس لإجراء أعمال صيانة وتأهيل واسعة. وبحسب الوزارة، وصلت المصفاة إلى مرحلة لم يعد استمرار تشغيلها ممكنا من دون مخاطر. وقال مدير دائرة الإعلام في الوزارة عبد الحميد سلات إن مصفاة حمص تعمل بطاقة تقارب 30 ألف برميل يوميا، بينما تستورد البلاد حاليا نحو 74% من احتياجاتها من المازوت و81% من البنزين، وتوضح هذه النسب حجم ارتباط السوق السورية بتوافر الوقود في الخارج وأسعار شرائه.
وتوجد عقبة أخرى تسبق التكرير وتتعلق بنوع النفط نفسه، فالوزارة تقول إن جزءا من الخام السوري ثقيل ولا يتناسب بشكل كامل مع قدرات المصافي المتاحة، لذلك قد تصدّر البلاد بعض الخام، وفي الوقت نفسه تستورد الوقود الذي تحتاجه. فامتلاك النفط لا يعني بالضرورة توفر الكمية المطلوبة من البنزين والمازوت، وقد تؤدي أعمال صيانة المصافي إلى خروج جزء من القدرة المحلية من الخدمة حاليا على أمل تحسينها لاحقا.
وعندما تشتري لترا من الوقود، فأنت تدفع ثمن المادة الخام، وتحويله إلى منتج صالح للاستخدام، ثم نقله وتخزينه وتوزيعه، وقد تضاف ضرائب، أو تتحمل الحكومة جزءا من التكلفة عبر الدعم، لذلك يختلف السعر النهائي باختلاف السوق والسياسة المتبعة فيها. وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تكلفة الخام مثّلت نحو 51% من متوسط سعر الديزل الشهري بالتجزئة في الولايات المتحدة في الفترة من 2004 إلى 2025. وفي سوريا، تقول وزارة الطاقة إن التسعير يعتمد على تكلفة تأمين المشتق حتى وصوله إلى السوق، مما يجعل تكلفة الوقود مرتبطة بسعر الشحنة الجاهزة وتكاليف إيصالها، لا بسعر النفط وحده.
وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم التراجع في قطاع التكرير؛ ففي أغسطس/آب 2026، عالجت المصافي عالميا نحو 81.4 مليون برميل يوميا، بانخفاض يقارب 4.2 ملايين عن الشهر نفسه من العام السابق. وفي تصريحات نقلتها رويترز في سبتمبر/أيلول، حذر مسؤولون في شركتي فيتول لتجارة الطاقة وفيليبس 66 لتكرير النفط من ضيق القدرة المتاحة لتعويض النقص، مع تأثر المصافي بالحرب الروسية على أوكرانيا والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ويزيد الديزل تأثرا لأنه لا يشغّل السيارات الخاصة فحسب، بل يشغّل الشاحنات والآلات الزراعية، ويرتبط بوقود التدفئة لتقارب خصائصهما. وتجاوزت أسعار الديزل وزيت الغاز بالسوق الأمريكية 200 دولار للبرميل مطلع سبتمبر/أيلول، بارتفاع 94% عن مستويات ما قبل الحرب مع إيران. وفي سوريا، بلغ العجز المالي حوالي مليار دولار في النصف الأول من 2026، بينما وصل الإنفاق على الدعم والضمان الاجتماعي إلى 315 مليون دولار بحسب وزارة المالية، مما دفع الحكومة لرفع الأسعار لسد الفجوة بين تكلفة تأمين المشتقات وسعر بيعها.
وفي ختام المطاف، ينتج عن ارتفاع تكاليف النقل والوقود غلاء في أسعار السلع الأخرى والمحاصيل والمواد الخام، وسط ترقب عالمي ومحلي لتحسن إمدادات الطاقة وعودة المصافي للعمل بكامل طاقتها الاستيعابية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد