جذور الارتباط الأيديولوجي بين الحوثيين وإيران: أبعد من حدود الاضطرار


هذا الخبر بعنوان "الحوثيون وإيران... علاقة أيديولوجية لا يحكمها الاضطرار" نشر أولاً على موقع العربي الجديد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحاول الحوثيون، منذ بداية تأسيس حركتهم، تكريس صورتهم جماعةً محلّيةً، مستندةً إلى هُويّتها الزيدية. والمذهب الزيدي، كما هو معروف، مذهب محلّي يكاد وجوده يقتصر على اليمن. كما أنّ حضور الجماعة يستند، بشكل ما، إلى إرث الإمامة الزيدية التي كانت السلطة الحاكمة في اليمن بعد الانسحاب العثماني الأوّل في القرن السابع عشر، ثمّ تقلّص حكمها إلى شمالي اليمن، وظلّت قوّةً سياسيةً وعسكريةً أساسيةً أو سلطةً حاكمةً حتى سقوطها نهائياً بالثورة الجمهورية عام 1962.
كان هذا التركيز الحوثي على جذورهم اليمنية، وتجاهل التأثيرات الإيرانية الواضحة، مسألة لها مقاصد عدّة، منها التركيز على أصالتهم في البيئة اليمنية، خاصّة في الشمال، التي كانت وما تزال تشهد حالةً من التسنّن الواسع، التي يتعامل معها الحوثيون بوصفها فكراً دخيلاً طارئاً ومدعوماً من القوى الخارجية، إضافة إلى طمأنة المجتمع اليمني بوصفهم جماعةً ليست لها امتدادات إقليمية مثل غيرها من القوى السياسية اليمنية.
فكرة الأصالة الوطنية في جماعة إسلامية يغلب عليها الطابع الجهادي مخاتِلةٌ إلى حدّ بعيد، فجماعة الحوثي لم تنخرط يوماً في النقاش السياسي المتعلّق بمفاهيم السياسة الحديثة في اليمن، مثل الديمقراطية والمواطنة واللامركزية وغيرها من قضايا كانت تشغل المجال السياسي اليمني حتّى اندلاع الحرب، سوى مشاركتهم القصيرة في مؤتمر الحوار الوطني التي اتّضح أنّها مسار تكتيكي استعراضي لجماعة الحوثي، ولم تكن قراراً جادّاً للاندماج في العمل السياسي الوطني.
هذه الدعاية المضلِّلة يكشفها تاريخ الجماعة، فمؤسّسها حسين الحوثي ووالده بدر الدين الحوثي زارا إيران مرّات عدّة في الثمانينيّات، والتقيا الخميني. ومعلوم أنّ التيّارات الإسلامية المتعدّدة تلقّت الثورة الإيرانية بترحاب، لأنّها صعدت بالإسلاميين إلى السلطة، ولم تكن الحسابات الطائفية مطروحة حينها.
بالنسبة إلى الدوائر الزيدية، كان تلقّيها هذا الحدث الكبير مختلفاً بعض الشيء، فهي لم ترَ فيه حدثاً يُستقبَل بالترحاب فقط، بل اعتبرته انتصاراً للمذهب الزيدي، وشاهداً على تأثيره في أكبر المذاهب الشيعية، الجعفري، فالثورة كسرت حالة انتظار المهدي الغائب، وانحازت إلى الفكرة الزيدية الأصيلة، وهي الخروج على الحاكم الظالم.
يصبح التأثّر بالثورة الإيرانية جليّاً أكثر عند الاطلاع على أدبيات جماعة الحوثي، فمنذ نشأتها تبنّت مفردات وشعارات الثورة الإيرانية التي اعتبرتها نموذجاً إسلامياً ينبغي الاحتذاء به. فمحاضرات مؤسّسها حسين الحوثي في بدايات الألفية، التي شكّلت عقيدة الجماعة ومرجعيتها النظرية الأساسية، تمحورت حول المؤامرة الصهيونية الأميركية على المسلمين والإسلام، وكذا تركيزها على الجهاد لتحرير فلسطين.
استعارت الحركة بالكامل الخطاب الإيراني، بل أصبح شعارها مستلهماً بوضوح من شعارات الثورة الإيرانية، على الرغم من أنّها استعانت ببعض عناصر زيدية متعلّقة بآل البيت والخروج على الحاكم الظالم. وهذا يدلّ على أنّها جماعة استمدّت قلبها العقائدي السياسي من إيران، وأنّها لطالما نظرت إلى خارج اليمن، متطلّعةً إلى دور ضمن الصراع الإقليمي والدولي الذي تشهده المنطقة.
هذا يفسّر كثيراً من حماسة جماعة الحوثي للانخراط في حرب غزّة ومغامراتها العسكرية في البحر الأحمر، التي كلّفتها كثيراً، عسكرياً واقتصادياً، لكن هل هذه الكلفة الباهظة دفعت الجماعة إلى مراجعة حساباتها وقلّلت حماسها للتدخّل الإقليمي مجدّداً؟ ثار جدل واسع أخيراً حول حسابات جماعة الحوثية العملية بسبب تأخّر تدخّلها في حرب إيران، فيما كان يُعدّ تناقضاً مع اندفاعها في حرب غزّة.
تظلّ فكرة احتواء الجماعة وفصلها عن إيران لاحتياجها المادي أمراً غير واقعي، لأنّها بالتأكيد ستحدّد مصالحها وأولوياتها بحسب تصوّرها لنفسها جماعةً عقائديةً ثوريةً، وهي بالتالي مرتبطةً تماماً بإيران.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة