قطر
سياسة

من الاعتذار إلى المواجهة: استراتيجية بي بي سي القانونية ضد دعوى ترمب المليارية

الجزيرة٨ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٤:١٩ ص0 مشاهدة
من الاعتذار إلى المواجهة: استراتيجية بي بي سي القانونية ضد دعوى ترمب المليارية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من الاعتذار إلى المواجهة.. كيف تدافع بي بي سي عن نفسها أمام ترمب؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد اعتذارها عن خطأ تحريري في أحد برامجها الاستقصائية، انتقلت هيئة الإذاعة البريطانية " بي بي سي " (BBC) إلى مواجهة قضائية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يطالبها بتعويض قدره 10 مليارات دولار. لم تكتفِ المؤسسة البريطانية بالدفاع عن نفسها، بل سعت إلى استخدام الإجراءات القضائية للحصول على سجلات ووثائق قد تفتح مجالاً لمساءلة الرئيس بشأن ادعاءاته.

يستعرض الصحفي جيم بارثولوميو في مقال نشرته مجلة "كولومبيا جورناليزم ريفيو" استراتيجية المؤسسة البريطانية في مواجهة الدعوى المقامة أمام محكمة اتحادية بفلوريدا، متسائلاً عما إذا كان بإمكانها تحويل النزاع القانوني إلى فرصة لإنتاج معلومات ذات قيمة صحفية.

خطأ تحريري يتحول إلى دعوى بالمليارات

تعود القضية إلى حلقة بعنوان "ترمب.. فرصة ثانية؟" بثها برنامج "بانوراما" في أكتوبر/تشرين الأول 2024، تضمنت مقطعاً محرراً من خطاب ألقاه ترمب في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، قبيل اقتحام أنصاره مبنى الكونغرس. جمع المقطع عبارتين تفصل بينهما نحو 50 دقيقة، بما أوحى بأن ترمب دعا بصورة مباشرة إلى أعمال العنف التي شهدها مبنى الكابيتول.

بعد كشف الخطأ في مذكرة داخلية مسربة عام 2025، اعتذرت "بي بي سي" وسحبت الحلقة من منصتها، لكنها رفضت دفع تعويضات مالية. يقول محامو ترمب إن المونتاج كان مضللاً وتشهيرياً، وألحق ضرراً بسمعته الشخصية والتجارية، مستندين في الدعوى إلى قانون فلوريدا الخاص بالممارسات التجارية غير العادلة والمضللة. ويشير بارثولوميو إلى أن الحلقة لم تعرض أصلاً في فلوريدا، رغم اختيار الولاية مقراً للتقاضي.

من الدفاع إلى طلب الوثائق

بعد إخفاق طلبها الأولي لرفض الدعوى، تبنت "بي بي سي" استراتيجية تقوم على استخدام مرحلة تبادل الأدلة القضائية للحصول على معلومات من الطرف المدعي. وطلب محاموها سجلات تجارية تتعلق بمنتجع ترمب "مارالاغو"، تشمل رسوم العضوية والانضمام وعدد طلبات الاشتراك السنوية، إلى جانب مذكراته وسجلات اتصالاته خلال الفترة المرتبطة باقتحام الكونغرس.

كما طالبت المؤسسة باستجواب ترمب تحت القسم، بهدف فحص الوقائع التي تستند إليها دعواه وتقييم الأضرار التي يقول إنه تعرض لها. وكان استجواب الرئيس مقرراً في 16 أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يلغيه محاموه بحجة ارتباطه بمسائل أخرى ذات أهمية وطنية.

في جلسة 22 أكتوبر/تشرين الأول، اشتكى محامي "بي بي سي" تشارلز توبين من عدم تقديم فريق ترمب وثائق جوهرية استجابة لطلباته. وأمرت القاضية الفدرالية إنجوليكي ليت بإجراء الاستجواب قبل 11 ديسمبر/كانون الأول، وسمحت بتسجيله بالفيديو، والحصول على سجلات تجارية متعلقة بمارالاغو، محذرة من أن عدم الالتزام بالإجراءات قد يؤدي إلى عقوبات تصل إلى إسقاط الدعوى.

هل تنتج المحاكم أخباراً جديدة؟

يرى ديفيد شولتز، مدير عيادة حرية الإعلام والوصول إلى المعلومات في كلية الحقوق بجامعة ييل، أن القرار القضائي مهم في سياق القضية، لكنه لا يمثل إجراءً استثنائياً في دعاوى التشهير. فمن المعتاد، بحسب شولتز، السماح للمدعى عليه بالحصول على الأدلة المتعلقة بالأضرار المزعومة، واستجواب المدعي عندما تكون هناك وقائع محل نزاع. غير أن وصول "بي بي سي" إلى الوثائق لا يعني بالضرورة إمكانية نشرها، إذ قد تبقى بعض المواد سرية بموجب أوامر قضائية.

أما كلاي كالفرت، أستاذ القانون بجامعة فلوريدا والباحث في معهد "أمريكان إنتربرايز"، فيعتبر مطالبة ترمب بالشهادة تحت القسم استراتيجية مناسبة، لأنها تلزمه بتفسير الأسس التي استند إليها لتقدير التعويضات المطلوبة. ويرجح كالفرت إمكان وصول بعض المعلومات إلى المجال العام لاحقاً، مع إقراره بأن ترمب قد يسعى إلى إبقائها سرية.

تسويات أمريكية ومواجهة بريطانية

يضع بارثولوميو موقف "بي بي سي" في مقابل تسويات أبرمتها مؤسسات إعلامية أمريكية مع ترمب. فقد وافقت شبكة "إيه بي سي" (ABC) على تسوية بقيمة 16 مليون دولار في قضية مرتبطة بتصريحات المذيع جورج ستيفانوبولوس بشأن دعوى إي جين كارول ضد ترمب. كما دفعت شركة "باراماونت"، المالكة لشبكة "سي بي إس" (CBS)، مبلغا مماثلا لتسوية دعوى مرتبطة ببرنامج "60 دقيقة"، قبيل اندماجها مع "سكايدانس".

ويرى شولتز أن اختلاف موقف "بي بي سي" يرتبط جزئياً بطبيعة ملكيتها، إذ تواجه الشركات الإعلامية الأمريكية الكبرى اعتبارات تجارية وتنظيمية قد تؤثر في قراراتها بشأن الاستمرار في التقاضي. لكنه يحذر من اعتبار المواجهة البريطانية مؤشراً حاسماً على انتهاء الضغوط، مشيراً إلى استمرار استخدام أدوات تنظيمية حكومية تؤثر في عمل وسائل الإعلام.

استقلال المؤسسة واختبار المساءلة

يشير بارثولوميو إلى أن طبيعة "بي بي سي" بوصفها مؤسسة خدمة عامة تمنحها قدراً من الاستقلال عن بعض المصالح التجارية التي تقيد المؤسسات الإعلامية الخاصة. ويستحضر تجربة مراسلها ستيف روزنبرغ في موسكو عام 2019، عندما وجه سؤالاً نقدياً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أوضاع بلاده، قبل أن يواجه استجواباً من صحفيين روس حول دوافع سؤاله. ودافع روزنبرغ لاحقاً عن موقفه، مؤكداً أن دور الصحفي لا يقتصر على تكرار الرواية الرسمية، وإنما يتضمن مساءلتها.

ويخلص المقال إلى أن المواجهة القضائية الحالية تضع "بي بي سي" أمام اختبار مزدوج: الدفاع عن نفسها ضد دعوى تشهير، مع الحفاظ على قدرتها على إنتاج معلومات تخدم الجمهور. لكن تحويل الوثائق والاستجوابات إلى مادة صحفية يظل احتمالاً مشروطاً بما ستكشفه الإجراءات القضائية، ومدى السماح بإتاحة تلك المعلومات علناً. وتبرز القضية سؤالاً يتجاوز النزاع بين ترمب والمؤسسة البريطانية: هل تستطيع وسائل الإعلام استخدام الأدوات القانونية لتعزيز المساءلة، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن نفسها أمام الدعاوى القضائية؟

شارك الخبر: