من لورانس إلى الجزائر: صداقة رياضية تتحول إلى زيارة دبلوماسية وثقافية


هذا الخبر بعنوان ""هل غيّر الخضر كانساس؟".. مزحة سياسية بعد المونديال ووفد أمريكي يزور الجزائر" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد أربعة أشهر من استقبال المنتخب الجزائري خلال كأس العالم 2026، تستعد مدينة لورانس الأمريكية بولاية كانساس لإرسال وفد يضم نحو 40 شخصًا إلى الجزائر، تلبية لدعوة رسمية لتكريم سكان المدينة الذين احتضنوا "محاربي الصحراء" خلال البطولة. وتأتي الزيارة، المقررة من 9 إلى 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، امتدادًا لعلاقة نشأت بين المنتخب الجزائري وسكان المدينة خلال المونديال، بعدما تحول معسكر "الخضر" إلى مناسبة للتعارف والتبادل الثقافي، حظيت باهتمام وسائل الإعلام الأمريكية والدولية.
وامتد صدى تلك العلاقة إلى مواقع التواصل الاجتماعي عقب الانتخابات النصفية الأمريكية، إذ ربط بعض المتابعين، على سبيل المزاح، بين زيارة المنتخب الجزائري والفوز التاريخي للحزب الديمقراطي بمقعد مجلس الشيوخ عن كانساس، في ولاية لم تنتخب ديمقراطيًا لهذا المنصب منذ 94 عامًا.
تعود بداية القصة إلى يونيو/حزيران الماضي، عندما اختار المنتخب الجزائري مركز "روك تشالك بارك" في مدينة لورانس مقراً لمعسكره خلال كأس العالم، واستقر لاعبوه في أحد فنادق المدينة الواقعة بالقرب من كانساس سيتي. ومنذ وصول البعثة الجزائرية في 7 يونيو/حزيران، بدأ السكان في استقبال اللاعبين والمشجعين، وظهرت الأعلام الجزائرية في الشوارع وعلى واجهات المحال، بينما ارتدى أمريكيون قمصان المنتخب وأوشحته، وشاركوا المشجعين الجزائريين احتفالاتهم.
وفي إحدى أبرز لحظات الاستقبال، عزفت فرقة موسيقية من جامعة كانساس النشيد الوطني الجزائري "قسما" خلال حصة تدريبية مفتوحة للمنتخب، بعدما تعلم أعضاؤها أداءه خصيصًا لهذه المناسبة. وشارك أكثر من 50 طفلاً في أنشطة كروية مع اللاعبين عقب التدريب، بينما صمم الفنان الأمريكي ستان هيرد علمًا جزائريًا ضخمًا باستخدام مواد طبيعية، وعرضه في محيط الجامعة، في مبادرة لاقت تفاعلًا واسعًا.
وسرعان ما انتقلت صور الاستقبال ومقاطع الفيديو إلى وسائل الإعلام الأمريكية، ونشرت مجلة "نيو لاينز"، في 17 يونيو/حزيران، تقريرًا بعنوان "روح ثورية تجمع الجزائر وكانساس في كأس العالم"، تناول الروابط التاريخية والثقافية التي ساعدت على التقارب بين الجانبين.
بلغ التفاعل ذروته عندما تجمع مئات الأشخاص أمام الفندق الذي أقام فيه المنتخب الجزائري، في مشهد فاجأ المدرب فلاديمير بيتكوفيتش ودفعه للإشادة بحفاوة الاستقبال. وقال بيتكوفيتش، خلال مؤتمر صحفي في 15 يونيو/حزيران: "رؤية ما بين 500 و600 شخص ينتظروننا أمام الفندق في الليلة الأولى أصابتني بالقشعريرة وملأتني بالفخر". وأضاف: "ثم أقمنا حصة تدريبية مفتوحة، ورأينا عددًا كبيرًا من المواطنين الأمريكيين يحملون أوشحة المنتخب ويقدمون لنا الدعم. لقد أرادوا حقًا الاحتفال بهذه اللحظة معنا".
وامتد التفاعل إلى عناصر الشرطة المكلفين بتأمين البعثة والجماهير، إذ انتشرت مقاطع للمحققة ميغان باردويل من شرطة لورانس وهي ترقص مع المشجعين الجزائريين. وكشفت شرطة المدينة لاحقًا أنها اعتمدت أسلوبًا يقوم على التواصل المباشر مع المشجعين وتسهيل احتفالاتهم، بدلاً من فرض قيود مشددة على تجمعاتهم. وذكرت الشرطة أنها لم تسجل مخالفات أو تنفذ اعتقالات خلال التجمعات أمام فندق المنتخب، رغم الأعداد الكبيرة من المشجعين، فيما أشاد مسؤولوها بتعاون الجماهير والتزامها بتعليمات الأمن.
وحرص الاتحاد الجزائري لكرة القدم بدوره على إبراز المدينة الأمريكية في مقطع ترويجي نشره قبل المباراة الأولى للمنتخب في كأس العالم، وتضمن مشاهد من ولاية كانساس، تقديرًا للاستقبال الذي حظيت به البعثة.
عادت قصة المنتخب الجزائري ولورانس إلى الواجهة خلال الأيام الماضية، لكن هذه المرة بسبب نتيجة انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي. ففي 3 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، فاز مرشح الحزب الديمقراطي آدم هاميلتون على السيناتور الجمهوري روجر مارشال، محققًا أول انتصار للديمقراطيين في انتخابات مجلس الشيوخ عن كانساس منذ فوز جورج ماكغيل عام 1932. وبحسب النتائج الأولية، حصل هاميلتون على نحو 51% من الأصوات، مقابل 46% لمنافسه الجمهوري، في نتيجة أنهت سلسلة من انتصارات الجمهوريين على هذا المقعد امتدت 94 عامًا.
واستحضرت بعض التعليقات الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي الحفاوة التي استقبلت بها لورانس المنتخب الجزائري قبل أشهر، وربطت مازحة بين وجود "محاربي الصحراء" والتحول الانتخابي الذي شهدته الولاية. وفي مقطع متداول، وجهت مؤثرة أمريكية الشكر للمنتخب الجزائري، مازحة بأن لطف لاعبيه وكرمهم أسهم في تحويل كانساس إلى اللون الأزرق، الذي يرمز إلى الحزب الديمقراطي.
وبطبيعة الحال، لا يوجد دليل على أي علاقة سببية بين زيارة المنتخب ونتيجة الانتخابات، التي تأثرت بعوامل سياسية واقتصادية داخلية تناولتها التغطيات الأمريكية. كما أن فوز الديمقراطيين بمقعد مجلس الشيوخ لا يعني تحول جميع مؤسسات الولاية أو ناخبيها إلى الحزب الديمقراطي. لكن المزحة أعادت تسليط الضوء على العلاقة التي نشأت خلال المونديال، وأظهرت استمرار حضور المنتخب الجزائري في أحاديث بعض سكان المدينة بعد مغادرته الولايات المتحدة.
تستعد هذه العلاقة لدخول مرحلة جديدة، مع إعلان مدينة لورانس تنظيم زيارة لوفد من سكانها إلى الجزائر، خلال الفترة من 9 إلى 14 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بدعوة من الحكومة الجزائرية. ويضم الوفد عمدة المدينة براد فينكلداي، وعضوة مجلس المدينة أمبر سيلرز، إلى جانب مسؤولين محليين وعناصر من الشرطة وممثلين عن جامعة كانساس، بينهم طلاب شاركوا في عزف النشيد الوطني الجزائري خلال استقبال المنتخب. ومن المشاركين أيضًا الملازم ديف إرنست والمحققة ميغان باردويل، اللذان شاركا في تأمين البعثة الجزائرية والتعامل مع تجمعات المشجعين خلال المونديال.
وتتحمل الحكومة الجزائرية تكاليف السفر والإقامة والأنشطة المقررة للوفد، في مبادرة تهدف إلى تكريم الأشخاص والمؤسسات الذين ساهموا في استقبال المنتخب ومشجعيه. وكشفت تقارير محلية أن السفارة الجزائرية وجهت الدعوات إلى مسؤولين وأعضاء من المجتمع المحلي وجامعة كانساس، وأن بعض المدعوين فوجئوا بها إلى درجة اعتقادهم في البداية أنها رسائل احتيالية.
وقال عمدة لورانس براد فينكلداي، في بيان رسمي: "تعكس هذه الدعوة الاستثنائية الدفء والكرم اللذين أظهرهما مجتمعنا بأكمله تجاه الجزائر خلال الصيف الماضي". وأضاف: "نحن ممتنون للغاية لمضيفينا الجزائريين على كرم الضيافة والصداقة. ورغم أن كل من ساهم في ذلك الاستقبال لن يتمكن من المشاركة في الرحلة، فإننا نحمل معنا امتنان سكان لورانس ومشاعر الود التي تجمعنا".
ويتضمن برنامج الزيارة أنشطة ثقافية وجولات في مواقع تاريخية، إلى جانب لقاءات لبحث سبل تعزيز العلاقات بين الجانبين. وكشفت صحيفة "لورانس تايمز" أن جمعية المدن الشقيقة في لورانس ناقشت إمكانية إقامة علاقة توأمة مع مدينة بسكرة الجزائرية، في خطوة قد تمنح الروابط التي نشأت خلال كأس العالم طابعًا مؤسسيًا دائمًا.
وتتزامن الزيارة مع استضافة المنتخب الجزائري نظيره التوغولي يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني على ملعب حسين آيت أحمد في تيزي وزو، ضمن الجولة الثالثة من تصفيات كأس أمم أفريقيا 2027. ويفتح هذا التزامن احتمال حضور بعض أعضاء الوفد الأمريكي المباراة، لكن الجهات المنظمة لم تعلن حتى الآن إدراجها ضمن البرنامج الرسمي.
وبذلك، تمتد العلاقة التي بدأت باستقبال منتخب كرة قدم إلى زيارة رسمية وبرامج للتبادل الثقافي، مع بحث إقامة روابط مستمرة بين مدينتين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات. فبعدما احتضنت لورانس المنتخب الجزائري وجماهيره خلال كأس العالم، تستعد الجزائر هذه المرة لاستقبال عدد من سكان المدينة الذين شاركوا في صناعة تلك التجربة.
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة