قطر
سياسة

كيف تشكل الصحافة المحلية صورة السياسي المعتدل؟ دراسة حالة السيناتورة سوزان كولينز

الجزيرة٦ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٤٢ ص0 مشاهدة
كيف تشكل الصحافة المحلية صورة السياسي المعتدل؟ دراسة حالة السيناتورة سوزان كولينز

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تأثير سوزان كولينز.. كيف تصنع الصحافة المحلية صورة السياسي المعتدل؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أعاد تحقيق نشرته مجلة "كولومبيا جورناليزم ريفيو" الأمريكية فتح النقاش بشأن العلاقة بين الصحافة المحلية والسياسيين النافذين، كاشفاً عن ضغوط متكررة مارسها مكتب السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز على المؤسسات الإعلامية في ولاية مين، بهدف التأثير في صياغة الأخبار والعناوين وتقديم صورتها السياسية للجمهور. ويرصد التحقيق -الذي أعده الصحفي روب وولف- كيف أسهمت التغطيات المحلية، إلى جانب جهود العلاقات العامة، في ترسيخ صورة كولينز بوصفها سياسية معتدلة ومستقلة داخل الحزب الجمهوري، رغم الانتقادات الموجهة إلى مواقفها وتصويتها في قضايا رئيسية.

ولا يقتصر التحقيق على حالة كولينز، بل يتناول إشكالية أوسع تواجه الصحافة المحلية الأمريكية، تتمثل في تأثير النفوذ السياسي والخوف من خسارة المصادر والقراء على استقلالية القرارات التحريرية.

عنوان صحفي يتغير بطلب سياسي

بدأت القصة في 21 يوليو/تموز الماضي، عندما نشرت صحيفة "بورتلاند برس هيرالد" -كبرى صحف ولاية مين- خبراً بشأن موقف كولينز من طلب إدارة الرئيس دونالد ترمب تخصيص 33 مليار دولار لتمويل الحرب مع إيران. لكن أحد القراء -ويُدعى دان آيبل- لاحظ اختلافاً بين عنوان الخبر المنشور والرابط الإلكتروني للمادة؛ فبينما أشار الرابط الأصلي إلى أن كولينز أبدت تأييداً للتمويل، أصبح العنوان الجديد يوحي بأنها دعت إلى جلسة رقابية لمساءلة الإدارة بشأن الطلب. وبعد استفساره من المحرر السياسي للصحيفة كيربي ويلسون، علم أن العنوان تغير عقب تدخل من موظفي مكتب السيناتورة. وبرر ويلسون التعديل بأن الصياغة السابقة لم تكن دقيقة في سياق الجلسة، مؤكداً أن الصحيفة وضعت العنوان الجديد وفق تقديرها التحريري المستقل. غير أن الواقعة أثارت تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين تصحيح المعلومات استجابة لملاحظات المصادر، وتعديل المعالجة الخبرية بما يخدم الصورة التي ترغب الشخصيات السياسية في تقديمها.

نشرت "بورتلاند برس هيرالد" خبراً بشأن موقف كولينز من طلب إدارة ترمب تخصيص 33 مليار دولار لتمويل الحرب (رويترز)

ضغوط مستمرة على غرف الأخبار

يكشف التحقيق أن تدخل مكتب كولينز في التغطيات لم يكن واقعة معزولة، إذ تحدث صحفيون عملوا في الولاية عن اتصالات ورسائل متكررة يعترض فيها موظفوها على تفاصيل منشورة، حتى عندما تكون الإشارة إلى السيناتورة هامشية. ويروي وولف تجربته عام 2020، عندما غطى احتجاجاً مؤيداً لخدمة البريد الأمريكية، ونقل انتقاداً عابراً لموقف كولينز من قانون لإصلاح البريد صدر عام 2006. وسرعان ما تدخل مكتبها لدى الصحيفة، مما دفع المحررين إلى إضافة رد مطول يدافع عن تصويتها. ويؤكد ستيف غرينلي -رئيس التحرير السابق لصحيفة "بورتلاند برس هيرالد" بين عامي 2021 و2024- أن مكتب كولينز كان شديد الإلحاح في إدارة التغطيات المتعلقة بها. وأوضح أن الصحفيين كانوا يتوقعون اتصالاً من واشنطن عقب نشر أي مادة تذكر اسم السيناتورة، مشيراً إلى أنه توقف لاحقاً عن الرد على هذه الاتصالات لكثرتها. وتثير هذه الممارسات إشكالية مهنية تتعلق بتعديل المواد بعد نشرها، وهي ممارسة يُفترض أن ترتبط بتصحيح أخطاء واقعية أو إضافة معلومات جوهرية، لا بالاستجابة لاعتراضات سياسية على زاوية المعالجة.

الخوف من فقدان المصادر والقراء

يربط التحقيق بين هذه الضغوط وطبيعة العمل الصحفي في الولايات الصغيرة، إذ تعتمد المؤسسات المحلية على علاقات مستمرة مع السياسيين والمسؤولين للحصول على المعلومات والتصريحات. ويرى الصحفي السابق في شبكة "إن بي سي نيوز" أليكس سايتز-والد أن مراسل الصحافة الوطنية يستطيع الانتقال إلى قصة أخرى إذا تضررت علاقته بمصدر سياسي، بينما يواجه الصحفي المحلي صعوبة أكبر في المخاطرة بفقدان الوصول إلى المسؤولين الذين يغطي أخبارهم باستمرار. وتضاف إلى ذلك الضغوط الاقتصادية التي تواجه الصحف المحلية، خصوصاً الخوف من خسارة المشتركين بسبب اتهامات الانحياز السياسي. ويقول غرينلي إن بعض القراء كانوا يلغون اشتراكاتهم عندما تتعارض التغطيات مع ما يسمعونه عبر الإذاعات الحوارية أو شبكة "فوكس نيوز". وقد تدفع هذه الخسائر المؤسسات إلى مراجعة قراراتها التحريرية خشية تراجع الإيرادات، مما يجعل الحفاظ على التوازن السياسي تحدياً يتجاوز المعايير المهنية إلى اعتبارات البقاء الاقتصادي.

السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز المرشحة لإعادة انتخابها تحيي أنصارها في مدينة هولتون (رويترز)

الاعتدال بين الصورة والتصويت

يشير التحقيق إلى أن التغطية المتراكمة لكولينز ركزت على دعمها مشروعات محلية، وانتقاداتها لبعض سياسات حزبها، وتعاونها مع الديمقراطيين. لكن الصحفي المستقل آندي أوبراين يرى أن هذه الصورة، التي شاركت وسائل الإعلام المحلية في ترسيخها، لا تعكس دائماً طبيعة تصويتها في القضايا الحاسمة. ويستخدم أوبراين تعبير "المجمع الإعلامي الصناعي لكولينز" لوصف العلاقة بين النفوذ السياسي والتغطية الصحفية التي ساعدت على استمرار صورتها المعتدلة. وفي أكتوبر/تشرين الأول، نشرت صحيفة " نيويورك تايمز " تحليلاً أظهر أن كولينز، رغم مواقفها المعارضة لبعض سياسات ترمب وتصويتها لمصلحة تشريعات توافقية، نادراً ما حسمت تصويتاً ضد الأولويات الكبرى لحزبها. واعترف غرينلي بأن صحيفته كانت تشير أحياناً إلى التناقض بين تصريحات كولينز وتصويتها، لكن كان ينبغي لها أن تكون أكثر وضوحاً في إبراز هذه الفجوة.

هل تتغير قواعد التغطية؟

رغم هذا التاريخ من الحذر التحريري، فإن التحقيق يرصد مؤشرات على تحول في تعامل الصحافة المحلية مع كولينز. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، نشرت "بروبوبليكا" تحقيقاً بشأن فتح مكتب التحقيقات الفدرالي تحقيقاً في شبهات رشوة مرتبطة بالسيناتورة وشركة متخصصة في تقنيات الدفاع. وقالت كولينز إن التحقيق برّأها، بينما أفادت "بروبوبليكا" بأن التحقيق توقف بعد تفكيك إدارة ترمب وحدة مكافحة الفساد في المكتب. ولا يعني فتح التحقيق ثبوت الاتهامات. وقد منحت صحف مين الكبرى القضية تغطية بارزة، في تحول عن النهج الذي انتقده صحفيون سابقاً. كما شهدت مناظرة انتخابية مواجهة مباشرة عندما طالب الصحفي فيل هيرشكورن كولينز بتقديم مثال على تصويت حاسم خالفت فيه حزبها، ثم واجهها بأن المثال الذي قدمته لم يغير نتيجة التصويت. ويخلص التحقيق إلى أن استقلال الصحافة لا يقاس فقط بقدرتها على نقل تصريحات السياسيين وردودهم، وإنما بمدى استعدادها لمقارنة أقوالهم بأفعالهم، ومقاومة الضغوط التي تحول التغطية المتوازنة إلى أداة لتلميع صورتهم. فالمشكلة ليست في امتلاك السياسيين حق الرد، بل في أن يتحول هذا الحق عبر النفوذ والعلاقات المستمرة إلى قدرة غير معلنة على إعادة تشكيل الخبر بعد نشره.

شارك الخبر: