انتخابات النواب الأردني: من التوافقات الهشة إلى الانقسامات الحادة


هذا الخبر بعنوان "من التوافق إلى الانقسام.. انتخابات النواب الأردني تكشف هشاشة التحالفات" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عمّان - كشفت انتخابات المكتب الدائم لمجلس النواب الأردني عن هشاشة التحالفات النيابية، حيث لم تصمد التفاهمات التي أبرمتها أربع كتل نيابية لتقاسم المناصب أمام اختبار صناديق الاقتراع. فبعد نجاحها في إيصال مرشحها لرئاسة المجلس، تفككت هذه التحالفات عند انتخاب نائبي الرئيس ومساعديه، وسط اتهامات بـ"الخيانة" ونقض الاتفاقات، وانسحابات نيابية أبرزت حجم الخلافات داخل الكتل الحزبية.
وأعادت نتائج الانتخابات طرح تساؤلات حول قدرة الكتل النيابية على الالتزام بقراراتها، ومدى نضج التجربة الحزبية في البرلمان، خاصة مع اقتراب انتخابات اللجان النيابية التي يُتوقع أن تشهد إعادة ترتيب للتحالفات وموازين القوى تحت القبة.
بدأت التفاهمات قبل الانتخابات بين كتل "الميثاق" و"مبادرة" و"عزم" و"الأحزاب الوسطية والإصلاح"، ونصّت على منح رئاسة المجلس لكتلة "الميثاق"، والنائب الأول لكتلة "مبادرة"، والنائب الثاني لكتلة "عزم"، فيما خُصص موقعا مساعدي الرئيس للأحزاب الوسطية والإصلاح. ونجح هذا التحالف في اختباره الأول، بفوز إبراهيم الطراونة برئاسة المجلس بحصوله على 70 صوتاً، مقابل 38 صوتاً لمجحم الصقور و23 صوتاً لسليمان الزبن.
لكن سرعان ما اصطدمت التفاهمات بنتائج مغايرة عند استكمال انتخاب باقي أعضاء المكتب الدائم. فجاءت المفاجأة الأولى بخسارة مرشح كتلة "مبادرة" أحمد الهميسات موقع النائب الأول لرئيس المجلس أمام آية الله الفريحات، الذي حصد 88 صوتاً مقابل 46 للهميسات. وأثارت النتيجة اعتراضات داخل المجلس، وانسحب نواب من كتلتي "مبادرة" و"عزم"، مما أدى إلى فقدان النصاب ورفع الجلسة إلى اليوم التالي.
وقال الهميسات للجزيرة نت إن ما جرى كشف عن "خيانة واضحة" من داخل كتلته النيابية، متهماً أعضاء فيها بالعمل ضده، إلى جانب عدم التزام أطراف في الائتلاف بالتفاهمات السابقة. وأضاف أن الاتفاق تعرض للخرق، وأن تحركات جرت لإفشال ترشحه، معلناً أنه لن يستمر في حزب "مبادرة" أو كتلته النيابية.
وامتدت خسائر التحالف إلى كتلة "عزم"، بعدما فاز النائب المستقل محمد سلامة الغويري بموقع النائب الثاني لرئيس المجلس، متقدماً على مرشح الكتلة وصفي حداد. وأظهرت النتائج أن الاتفاق على انتخاب رئيس المجلس لم يكن كافياً لضمان بقية المواقع، فيما لا تسمح سرية الاقتراع بتحديد النواب الذين خالفوا التفاهمات أو معرفة دوافع تصويتهم.
ولم تقتصر الخلافات على الكتل التي خسرت مواقع كانت مخصصة لها، بل امتدت إلى كتلة الأحزاب الوسطية، بعدما حصل مرشحها رائد رباع على 15 صوتاً في انتخابات النائب الثاني، رغم أن كتلته تضم 26 نائباً. وانتقد رباع ما وصفه بغياب العمل الحزبي و"الكتلوي" الحقيقي، معتبراً أن نتائج التصويت كشفت ضعف الالتزام داخل الكتل النيابية. ورأى أن التجربة تعكس مشكلة أوسع تتعلق بقدرة الأحزاب على تحويل قراراتها إلى مواقف جماعية داخل البرلمان.
في المقابل، حقق حزب الأمة (جبهة العمل الإسلامي سابقاً) مكسباً سياسياً بفوز مرشحه مالك الطهراوي بأحد موقعي مساعد رئيس المجلس، بعد حصوله على 84 صوتاً، رغم أن الحزب لم يكن ضمن التفاهمات الأولية لتوزيع المناصب. وقال النائب ينال فريحات، عضو حزب الأمة، إن الفوز جاء نتيجة جهود كبيرة بذلتها الكتلة، مؤكداً أن أهميته رمزية وسياسية، ولا تعني بالضرورة تحقيق إنجاز ينعكس مباشرة على حياة الأردنيين.
ويرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الحارث الحلالمة أن انتخابات المكتب الدائم كشفت هشاشة التحالفات النيابية، وأظهرت غلبة الحسابات الشخصية وتقاسم المناصب على التفاهمات البرامجية التي يفترض أن تحكم العمل الحزبي. وقال الحلالمة إن ما جرى أعاد النقاش بشأن قدرة الأحزاب على تشكيل حكومات برلمانية قائمة على التعددية والتنافس البرنامجي، خصوصاً بعدما وصلت الخلافات إلى اتهام نواب لكتلهم بالخيانة. وأضاف أن الاختلاف بين النواب أمر طبيعي في العمل السياسي، لكن المشكلة تكمن في غياب قواعد مؤسسية واضحة لتنظيم العلاقة بين النائب وكتلته وإدارة الخلافات الداخلية. واعتبر الانتخابات بمثابة جرس إنذار للأحزاب الأردنية، ودعاها إلى مراجعة آليات اتخاذ القرار، وتغليب البرامج والمصلحة العامة على المنافسة الفردية على المواقع، محذراً من انعكاس هذه الممارسات على ثقة المواطنين بالعمل الحزبي.
من جانبه، قال عامر بني عامر، المؤسس والمدير العام لمركز "الحياة - راصد" المتخصص بالشؤون البرلمانية، إن الانتخابات كشفت ضعف تماسك الكتل وإدارة القرار الحزبي، بعدما أخفقت التفاهمات المعلنة في الصمود أمام الاقتراع. وأوضح أن حزب الأمة عزز حضوره بفوز الطهراوي، إلى جانب إعلان نواب منه دعم الفريحات الذي فاز بموقع النائب الأول من خارج الحزب. ورأى بني عامر أن هذه النتائج تمنح الحزب مساحة أوسع في التفاهمات المقبلة، لكنها تضع رئاسة المجلس أمام تحدي إدارة الخلافات بين الكتل وداخلها. وأشار إلى أن التركيبة الجديدة قد تبدو قادرة على حشد الأصوات لإقرار تشريعات، بينها تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، لكن استياء بعض النواب من إدارة التفاهمات قد يدفعهم إلى المطالبة بتعديلات جوهرية أو التصويت ضد بعض المواد.
وأكد أن موازين التصويت على التشريعات قد تختلف عن نتائج انتخابات المكتب الدائم، محذراً من أن استمرار إدارة التفاهمات بين القيادات، من دون مشاركة أعضاء الكتل وبلا قواعد واضحة لحسم الخلافات، قد يعمق الانقسامات ويضعف أهداف التحديث السياسي. وتتجه الأنظار الآن إلى انتخابات اللجان النيابية، بوصفها الاختبار المقبل لقدرة الكتل على ترميم علاقاتها وبناء تفاهمات أكثر استقراراً. وبينما نجح التحالف الرباعي في إيصال مرشحه لرئاسة المجلس، أظهرت بقية النتائج أن الاتفاق على الرئيس لا يعني بالضرورة الاتفاق على إدارة البرلمان، وأن التحالفات التي تُبنى لتوزيع المواقع قد تواجه صعوبة في الصمود عندما تبدأ المنافسة الفعلية على النفوذ والقرار.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة