تعز: صمود الجمهورية في وجه الحصار.. الطريق إلى صنعاء يبدأ من هنا


هذا الخبر بعنوان "معركة الجمهورية لم تنته.. الطريق إلى صنعاء يبدأ من تعز" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُمثل مدينة تعز اليمنية أكثر من مجرد بقعة جغرافية تعاني حصارًا عسكريًا وإنسانيًا طويل الأمد؛ إنها رمز لمعركة وطنية تتجاوز حدودها، وتجسد صراعًا جوهريًا بين مشروع الدولة الجمهورية القائم على المواطنة المتساوية والحرية والتعددية، وبين مشروع الإمامة السلالية الطائفية الذي تسعى مليشيا الحوثي، بدعم من النظام الإيراني، إلى فرضه بالقوة.
منذ عام 2015، تواجه تعز حصارًا خانقًا، حيث أحكمت المليشيا قبضتها على الطرق والمنافذ الرئيسية، مما حول حياة مئات الآلاف من سكانها إلى معاناة يومية في التنقل والحصول على الضروريات الأساسية كالغذاء والدواء والوقود والمياه. جاء هذا الحصار في محاولة لإخضاع مدينة رفضت الاستسلام لمشروع المليشيا السياسي والفكري.
في أكتوبر/تشرين الأول 2026، اتخذ الحصار منحى أكثر خطورة مع التطورات العسكرية وسيطرة المليشيا على مواقع وطرق حيوية في محيط المحافظة، مما أدى إلى عزل المدينة شبه الكامل عن محيطها. هذا العزل عطّل وصول السلع الأساسية والإمدادات الإنسانية، وهدد بتوقف المستشفيات ومرافق المياه والخدمات العامة.
المقاومة في تعز ليست مجرد رد فعل دفاعي، بل هي تعبير عن وعي جمعي يرى في الدفاع عن المدينة دفاعًا عن الجمهورية ومؤسسات الدولة وحق اليمنيين في اختيار نظامهم السياسي، بعيدًا عن الامتيازات السلالية والوصاية الدينية واحتكار السلطة والثروة.
تجاوز التضييق حدود حركة السكان والنشاط التجاري ليشمل مقومات البقاء الإنساني ذاتها؛ فقد تضاعفت أسعار المواد الغذائية والوقود، وتراجعت إمدادات المياه، وتقلصت قدرة المستشفيات على تقديم خدماتها، مما يهدد حياة المرضى والأطفال وكبار السن.
تكشف التحذيرات الإنسانية الدولية عن حجم الكارثة، حيث حرم أكثر من 800 ألف شخص من الوصول المنتظم للمساعدات الغذائية، وتراجعت قدرة إنتاج المياه إلى النصف، وواجهت المرافق الصحية نقصًا حادًا في الوقود والإمدادات الضرورية. وكان استهداف وتفجير طريق هيجة العبد في أكتوبر/تشرين الأول تطورًا بالغ الخطورة، نظرًا لأهميته كشريان رئيسي للمدينة.
تكتسب هذه التطورات خطورتها من كونها امتدادًا لسياسة تضييق ممنهجة تستهدف إنهاك المجتمع وإضعاف قدرته على الصمود. ومع ذلك، لم تنجح هذه الضغوط في كسر إرادة تعز، بل أظهرت المدينة قدرة استثنائية على المقاومة والتماسك الاجتماعي، وتحويل معاناة الحصار إلى موقف سياسي ووطني.
إن اختزال موقف تعز في مقارنة مستويات المعيشة بين المناطق المحررة والخاضعة للحوثيين هو تبسيط للقضية؛ فالمسألة تتعلق بالفارق بين فضاء يسمح بالتعددية والتعليم والحركة، ونموذج يسعى إلى إخضاع المجتمع لمنظومة فكرية وسياسية مغلقة. ويشهد على ذلك اتجاه حركة المواطنين من مناطق الحوثيين نحو المناطق المحررة وإقبال الطلاب على مدارسها هربًا من المناهج ذات المضامين الطائفية.
تعز لا تدافع عن نفسها وحدها، بل تدافع عن حق صنعاء وصعدة وعمران والحديدة وسائر المدن اليمنية في استعادة الدولة، وعن مستقبل لا تحكمه الامتيازات السلالية ولا الوصاية الطائفية، بل المواطنة المتساوية وسيادة القانون والشراكة الوطنية.
إن تدفق المواطنين من مناطق سيطرة الحوثيين إلى تعز لأغراض التسوق وأداء الشعائر والاستفادة من الخدمات، يكشف أن الروابط الاجتماعية والوطنية أقوى من محاولات العزل والإكراه. وصمود تعز ليس فعلًا مناطقيًا أو حزبيًا، بل موقف تشكل عبر سنوات من المواجهة، يشارك فيه أبناء المدينة بمختلف انتماءاتهم، انطلاقًا من قناعة بأن معركة استعادة الدولة لا تنفصل عن معركة حماية الهوية الوطنية والتعددية وحق المواطنة المتساوية.
يضع استمرار المليشيا في إغلاق الطرق وتعطيل الإمدادات واستهداف المنشآت المدنية المجتمع الدولي أمام مسؤوليات قانونية وإنسانية. فالقانون الدولي الإنساني لا يجيز استخدام تجويع المدنيين كوسيلة حرب، ويلزم أطراف النزاع بالسماح بمرور المساعدات وحماية المدنيين. وينبغي ترجمة الدعوات لفتح الطرق إلى إجراءات عملية تضمن حرية التنقل الآمن والتدفق المنتظم للإمدادات، مع مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
المسؤولية الوطنية تقتضي عدم ترك تعز وحدها؛ فدعمها سياسيًا وإنسانيًا واقتصاديًا وعسكريًا هو استثمار في مستقبل اليمن واستعادة دولته ومؤسساته.
تعز، بتاريخها وثقافتها وسياستها، ليست مدينة هامشية، بل هي إحدى الحواضر العربية التي ارتبط اسمها بالعلم والتنوير والحركة الوطنية. وتواجه اليوم اختبارًا تاريخيًا يتجاوز حدودها إلى جوهر المشروع الذي ينتصر له اليمنيون.
لقد أثبتت سنوات الحصار أن إخضاع المدن لا يتحقق بالسيطرة على الطرق، وأن إرادة المجتمعات لا تكسر بالحرمان، وأن الشعوب التي تدرك قيمة حريتها لا تتخلى عنها بسهولة. وستظل تعز، رغم جراحها وحصارها، شاهدة على أن معركة الجمهورية لم تنته، وأن صمود المدن والشعوب هو الذي يحفظ الأمل في استعادة اليمن وهويته الوطنية ومكانته العربية.
سياسة
سياسة
سياسة
عاجل