قطر
سياسة

عندما يفلت قتلة الصحفيين من العقاب: من يجرؤ على كشف الحقيقة؟

الجزيرة١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ١١:١٠ ص0 مشاهدة
عندما يفلت قتلة الصحفيين من العقاب: من يجرؤ على كشف الحقيقة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين يفلت قتلة الصحفيين من العقاب.. من يجرؤ على كشف الحقيقة؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في فلسطين، السودان، لبنان، اليمن، أوكرانيا، المكسيك، وفي العديد من بقاع الأرض، تعني ممارسة مهنة الصحافة مواجهة مستمرة للتهديدات، العنف، الرقابة، والقيود التي تقوض حق المجتمع في المعرفة. ورغم تباين الظروف، فإن إفلات مرتكبي الجرائم بحق الصحفيين من العقاب يضعف قدرة الصحافة على توثيق الانتهاكات، المطالبة بالمحاسبة، وكشف الحقيقة. ولا تقتصر آثار الإفلات من العقاب على الضحية المباشرة، بل تمتد لترهيب الزملاء، وتعريض المصادر للخطر، والتأثير على قرارات من يواصلون التغطية. كم من قصة لم تجد من يحقق فيها حين يُقتل صحفي ولا يُحاسب أحد؟ وكم من شهادة تضيع حين تخشى المصادر الحديث؟ وأي انتهاكات تبقى خارج النقاش العام حين تسكت الصحافة؟

في فلسطين، تحت الاحتلال الإسرائيلي، بلغت عمليات قتل الصحفيين أبعاداً مروعة. وقد أدان الاتحاد الدولي للصحفيين مراراً هذه العمليات، وطالب بتحقيقات فعالة بشأنها. وحتى التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، وثق الاتحاد مقتل أكثر من 200 صحفي وعامل في وسائل الإعلام في غزة. وتستوجب كل حالة قتل تحقيقاً شاملاً لكشف الحقائق وتحديد المسؤوليات. كما طالب الاتحاد بالسماح للصحافة الدولية بالدخول بصورة مستقلة، فحين يُقتل من يوثقون الأحداث ويُمنع صحفيون آخرون من الوصول، تتقلص بشدة قدرة العالم على معرفة ما يجري والتحقق منه بصورة مستقلة.

في لبنان، تؤكد الهجمات المميتة على الصحفيين خلال الأعمال العدائية على مطلب أساسي، وهو وجوب حماية من يغطون النزاعات بموجب القانون الدولي الإنساني. ويجب ألا تتحول الشارات التي تعرف بالصحفيين إلى سبب لاستهدافهم عمداً. ولا بد من التحقيق في كل هجوم، ومحاسبة المسؤولين عنه متى توافرت أدلة على وقوع جريمة.

في السودان واليمن، يجعل العنف وتدهور الأوضاع الأمنية العمل الصحفي المستقل أكثر صعوبة يوماً بعد يوم. وقد يضطر الصحفيون إلى الفرار، أو التخلي عن تحقيقاتهم، أو العمل دون الحد الأدنى من ضمانات السلامة.

في أوكرانيا، يعرض الغزو الروسي الشامل والحرب المستمرة الصحفيين للهجمات والتهديدات.

أما في المكسيك، فتبقى جرائم القتل والترهيب المرتبطة بالعمل الصحفي سؤالاً ملحاً أمامنا: كيف يمكن التحقيق في الفساد والعنف الإجرامي وإساءة استخدام السلطة، حين قد يدفع الصحفي حياته ثمناً لذلك؟

ورغم اختلاف هذه السياقات، فإن العنف وغياب العدالة يضيقان مساحة العمل الصحفي. فبينما يواصل بعض الصحفيين عملهم، يضطر آخرون إلى تغيير ما يغطونه، أو فرض رقابة على أنفسهم، أو مغادرة مناطقهم مؤقتاً. وفي كل حالة، يخسر المجتمع معلومات يحتاج إليها لفهم واقعه والمطالبة بالمحاسبة. وهكذا، قد يؤدي إسكات صحفي واحد إلى إسكات مجتمع بأكمله.

وفقاً لليونسكو، لا يُجرى التحقيق إلا في جريمة واحدة من كل عشر جرائم قتل تستهدف الصحفيين. ويكشف هذا الرقم عمق المشكلة وطابعها البنيوي. ولا يجوز أن تتوقف العدالة عند منفذي هذه الجرائم، إذ يجب أن تطال أيضاً من يخططون لها، ويمولونها، ويأمرون بارتكابها. فبتحديد المنفذ المباشر دون التحقيق مع من أتاحوا وقوع الجريمة، يبقى مسار العدالة منقوصاً، ويسمح لشبكات النفوذ التي تقف خلف هذه الجرائم بالبقاء دون مساس. وتثبت الحالات القليلة التي أُدين فيها مدبرو هذه الجرائم أن كسر هذه الحلقة ممكن، لكنها تظهر أيضاً أن العدالة نادراً ما تتحقق من تلقاء نفسها. فقد كان لأسر الضحايا وزملائهم ونقابات الصحفيين ومنظمات حرية الصحافة والمجتمع المدني دور أساسي في إبقاء التحقيقات قائمة، وتقديم المعلومات، ومواصلة الضغط الشعبي. ولا يمكننا القبول بأن يظل تحقيق العدالة مرهوناً بصمود أسر مكلومة أو بمثابرة المنظمات الصحفية.

دعوة لاتفاقية دولية:

تقع على الدول مسؤولية ضمان تحقيقات مستقلة وسريعة وشاملة، وحفظ الأدلة، وحماية أقارب الضحايا والشهود، وملاحقة جميع المسؤولين قضائياً. وعلى المؤسسات الإعلامية توفير إجراءات السلامة والتدريب والمساعدة القانونية للعاملين لديها. وتحتاج النقابات، بدورها، إلى الإمكانات التي تتيح لها دعم الضحايا، والتنديد بالاعتداءات، والمطالبة بإجابات. فلا يجوز أن تعتمد الحماية وحدها على شجاعة الأفراد أو الموارد المحدودة للمدافعين عن الصحفيين.

ولهذا، يدعو الاتحاد الدولي للصحفيين إلى إقرار اتفاقية دولية بشأن سلامة الصحفيين واستقلاليتهم، تكون صكاً ملزماً يعزز التزامات الدول بمنع الاعتداءات، وحماية الصحفيين، والتحقيق في الجرائم المرتكبة بحقهم ومعاقبة المسؤولين عنها. فبيانات التضامن لا تكفي. نحن بحاجة إلى التزامات قانونية ملزمة تترجم إلى إجراءات ملموسة ومحاسبة.

في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، يجب أن تتجاوز مطالبنا حدود الإدانة. نحتاج إلى العدالة للضحايا، وضمانات لمن يواصلون التغطية، وإرادة سياسية تمنع تكرار هذه الجرائم. حين يفلت قتلة الصحفيين من العقاب، لا يقتصر الأثر على إسكات صوت واحد، إذ يخشى صحفيون آخرون مواصلة ما بدأه زميلهم، ويتعرض حق المجتمع في معرفة الحقيقة للخطر. لا حرية للصحافة دون محاسبة. ولا عدالة ما دام من يأمرون بارتكاب هذه الجرائم يفلتون من العقاب.

شارك الخبر: