قطر
سياسة

سباق القوى العظمى: كيف تستعد جيوش العالم لملء الفراغ الأمريكي؟

الجزيرة١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٥٤ ص0 مشاهدة
سباق القوى العظمى: كيف تستعد جيوش العالم لملء الفراغ الأمريكي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سوابق الغزو وتحطيم الحدود.. الجيوش الأربعة التي تستنفر لملء الفراغ الأمريكي" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في أربعة مكاتب شديدة التحصين، يبذل ضباط جهودًا متواصلة لبناء قدرات قتالية نوعية استعدادًا لتغير مرتقب في موازين القوة العسكرية من شأنه أن يعيد ترتيب مراكز النفوذ على مستوى العالم. يقع اثنان من هذه المكاتب في شرق آسيا، ويفصل بينهما ألفا كيلومتر، بينما يقع المكتب الثالث في قلب أوروبا، ويبعد 1700 كيلومتر عن المكتب الرابع الذي يقع في مدينة تقع بين قارتين وتطل على بحرين، وتتأثر برياح الشرق والغرب.

في كتابه "صعود وهبوط القوى العظمى"، أشار بول كينيدي إلى تحول الولايات المتحدة من أكبر دائن إلى أكبر مدين في العالم، معتبرًا ذلك نمطًا نموذجيًا للقوى المهيمنة عند بدء أفولها. ومن بين الأعباء التي تساهم في تراجع واشنطن، الالتزام العسكري المتزايد والتكلفة المتزايدة للمعدات، مما يحد من خياراتها في التحكم بمصائر الدول.

يرى كينيدي أن السقوط الأمريكي محسوم، وأن مهمة رجال الدولة هي إدارة هذا التآكل النسبي بسلاسة. وقارن وضع الولايات المتحدة بوضع بريطانيا العظمى سابقًا، مشيرًا إلى تشابه خريطة قواعد واشنطن مع خريطة قواعد لندن قبل الحرب العالمية الأولى.

في عام 2011، أكد ستيفن والت في مقالته "موت العصر الأمريكي" أن واشنطن فقدت قدرتها على تشكيل النظام العالمي. ورصد والت ملامح تؤيد بدء الأفول الأمريكي، منها صعود مراكز قوى جديدة، والفشل العسكري، واستنزاف الموارد، وتعاظم الديون.

وصول دونالد ترامب إلى السلطة في عام 2017 جسد رغبة شريحة واسعة في الانكفاء الداخلي، مع شعار "أمريكا أولاً". ورأى ريتشارد هاس أن انسحاب ترامب من الاتفاقيات وهجماته على الحلفاء وتجاهله لانتهاكات حقوق الإنسان سيؤدي إلى تراجع ملموس في النفوذ الأمريكي.

تضاعفت متاعب واشنطن بفعل عبء تمكين إسرائيل من الأسلحة اللازمة لقتل الفلسطينيين في غزة، حيث اصطفت معظم حكومات العالم ضد إرادة أمريكا في الجمعية العامة للأمم المتحدة. صوتت ما بين 162 و167 دولة لصالح قرارات تساند الحقوق الفلسطينية، بينما وقفت سبع دول فقط بجانب الولايات المتحدة وإسرائيل.

ربما طمحت واشنطن لاستعادة الهيبة عبر ضرب إيران، فشنّت حربين بمعية إسرائيل. نجحت واشنطن في اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، لكن الصواريخ الإيرانية طالت معظم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، مما ألحق بها أذى بليغًا وضرب مصداقيتها.

أقر توم باراك، مستشار الرئيس الأمريكي، بأن الولايات المتحدة خاضت 23 تجربة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تحقق النتائج المرجوة، داعيًا دول المنطقة إلى الاضطلاع بمسؤولياتها الأمنية.

رأت نيويورك تايمز أن الحرب التي أرادها ترامب قيدت قدرة الولايات المتحدة، مستدلة على هذا الطرح بإجلاء أفراد من قواعد أمريكية في الشرق الأوسط وسحب قاذفات أمريكية من بريطانيا خوفًا من استهداف إيراني.

جاء الضرر الأكبر من إغلاق إيران لمضيق هرمز ردًا على الحرب الأمريكية، مما تسبب في أزمة طاقة عالمية جعلت واشنطن تطلب النجدة من موسكو. جمّد ترامب عقوبات على روسيا واتفق مع بوتين على تصدير كميات هائلة من الديزل، لكن الرئيس الأوكراني تعمد عرقلة تنفيذ الاتفاق.

استنادًا إلى حقائق تاريخية، فإن الأيام دول، ولكل أجل كتاب. ولكن الطبيعة لا تقبل الفراغ، فأي قوة يمكنها اقتناص الفرصة والاستعداد لفرض نفسها على المسرح الدولي بعد "موت العصر الأمريكي".

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن بناء حاملة طائرات جديدة، لكن فكرة خلافة فرنسا لأمريكا لن يقبلها الكتاب المرموقون، لأن باريس تنهار في أفريقيا وتواجه أزمات اقتصادية واجتماعية.

بريطانيا ليست بأفضل حال، إذ لا يتجاوز تعداد قواتها البرية 73 ألف جندي، ويعاني جيشها من تقادم السلاح ونقص حاد في الذخائر.

روسيا قوة عظمى، لكن لديها مشاكل اقتصادية وتتعثر في الميدان الأوكراني، وليس لديها نموذج أيديولوجي قابل للتصدير. وسوابقها في التوسع والإخضاع محصورة في نطاقها الإقليمي.

تتجه الأنظار إلى المكاتب الأربعة التي يقع اثنان منها في شرق آسيا، والثالث في قلب أوروبا والرابع في مدينة يهبّ عليها نسيم الشرق والغرب.

اليابان: يقع المكتب الأول في مجمع عسكري ضخم في طوكيو. اليابان، التي قامت إمبراطوريتها قبل 2680 عامًا وتعاقب عليها 126 إمبراطورًا، تناقش استعادة أمجادها العسكرية. رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي لم توضح موقفها من الالتزام بعدم امتلاك أسلحة نووية، بينما أكد وزير الدفاع شينجيرو كويزومي على ضرورة نقاش حول الأسلحة النووية.

أكد مسؤول ياباني رفيع أن بلاده يجب أن تمتلك أسلحة نووية، بعد 80 عامًا من خضوعها المطلق للأمريكيين بموجب وثيقة استسلام وقعت عام 1945. تضمنت الوثيقة نزع سلاح اليابان وحل جيشها.

بدأت القصة في 7 ديسمبر 1941، عندما شنت القوات البحرية الإمبراطورية اليابانية هجومًا على "بيرل هاربر". ردت أمريكا بالقنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945، ما حتم على طوكيو توقيع وثيقة الاستسلام.

تختلف أمريكا 1945 عن أمريكا الحالية التي تسحب قاذفاتها خوفًا من هجوم إيراني، ويتحداها "القنصل الأوروبي" في كييف فولوديمير زيلينسكي. ترصد اليابان 310 مليارات دولار للإنفاق العسكري خلال 5 سنوات، وبدأت تعديلات على مدمرتين لتصبحا حاملتي طائرات مقاتلة. كما نشرت 400 صاروخ كروز "توماهوك" وطورت صاروخ "النوع 12" لزيادة مداه.

يحتل الجيش الياباني الرتبة 7 ضمن أقوى الجيوش عالميًا. يلاحظ اللواء محمد عبد الواحد أن اليابان بدأت تتحول من الدفاع الخالص إلى الردع الاستباقي، وتتكيف مع البيئة الأمنية المعقدة في شرق آسيا لمواجهة الصعود العسكري الصيني والتهديدات النووية لكوريا الشمالية.

الصين: يقع المكتب الثاني في مبنى "الأول من أغسطس" في بكين. يتابع نخبة من الجنرالات، بقيادة الأدميرال دونغ جون، أضخم جيش في العالم. يبلغ تعداد الجيش الصيني أكثر من مليوني جندي، وميزانية دفاعه 275 مليار دولار. تمتلك الصين أكبر أسطول بحري في العالم، وترسانة نووية، وثلاث حاملات طائرات.

تمتلك الصين صواريخ فائقة السرعة تصل إلى مدى يتجاوز 15 ألف كيلومتر. يضم أسطولها الجوي أكثر من 2800 طائرة قتالية، وقواتها البرية تمتلك كمًا هائلاً من الدبابات والمدرعات. تمتلك الصين قدرات عالية في الفضاء والسيبرانية والحروب الإلكترونية.

حذرت الصين اليابان من هزيمة عسكرية "ساحقة" إذا استخدمت طوكيو القوة للتدخل في تايوان. اعتبرت الخارجية الصينية أن اليابان بدأت تنفيذ "خارطة طريق فعلية" "لإعادة العسكرة".

يقول الدكتور علي الذهب إن الصين تفكر في ماضيها مع اليابان، مما يعزز لديها هاجس تقوية قدراتها العسكرية. لكن الصين لا تنظر عسكريًا إلى أبعد من محيطها، وتركز على التكنولوجيا وجني المال لتصبح القوة الأولى اقتصاديًا.

ألمانيا: يقع المكتب الثالث في مجمع بندلربلوك في برلين. يتابع الفريق كارستن بروير توبيخ ترامب لأوروبا وملامح تصدع النظام الدولي، ويتحسب للحظة فارقة قد تتيح لبرلين أن تعود لسيرتها الأولى.

في عهد المستشار أوتو فون بيسمارك، تمت صياغة عقيدة الصعود بالحديد والدم. وفي حضرة المستشار أدولف هتلر، بلغ جنون القوة أقصاه.

وضعت وقائع الحرب العالمية الثانية حدا لهذا الطغيان. لكن جيوش الحلفاء لم تقتل شعور الألمان بالسمو العرقي.

يحتل المستشار ميرتس "حكمًا نهائيًا" بأن بلاده لن تواصل الرضوخ لنظام القوة، وبإمكانها رسم المستقبل. تحتل ألمانيا المركز الثالث عالميًا بناتج محلي إجمالي يتجاوز 5.4 تريليونات دولار.

يدفع السيد ميرتس نحو تعزيز القدرات العسكرية لبلاده، استعدادًا لقيادة القارة العجوز عندما تحين لحظة الفراغ الأمريكي. أقرت الحكومة ميزانية عسكرية لعام 2026 تجاوزت 124 مليار دولار، لتكون الأضخم في تاريخ البلاد الحديث.

تركيا: يقع المكتب الرابع في "ثكنة سليمية" في إسطنبول. يدير هذا المكان الفريق أول باختيار إرساي، حيث عبر العثمانيون المضيق إلى الغرب أول مرة في منتصف القرن الرابع عشر، وتوّجوا مسيرة الفتح بتحطيم أسوار بيزنطة عام 1453م.

هيمنت الدولة العثمانية على 3 قارات، وخضعت لهم أقاليم عديدة. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، استسلم الأتراك لحقيقة أنهم فقدوا قدرتهم على التحكم في مصائر الشعوب.

تركيا أردوغان تختلف كليًا عن تلك التي هُزمت في الحرب العالمية الأولى. تنشر تركيا قوات في عدة مناطق، وتثير صعودها هلعًا في اليونان وإسرائيل وعواصم غربية عديدة.

يحتل الجيش التركي المرتبة التاسعة عالميًا والأولى في الشرق الأوسط. تمتلك تركيا أسرابا من مقاتلات (إف-16) وأعلنت عن إنتاج المقاتلة "كآن". تمتلك سلاح الجو التركي ألف طائرة عسكرية، وترسانة ضخمة من المسيَّرات المتطورة.

تمتلك البحرية التركية 180 قطعة نشطة، بينها حاملة الطائرات المسيرة "تي سي جي أناضولو". تشكل المعدات والأسلحة المصنّعة محليًا أكثر من 80% من إجمالي تسليح الجيش التركي.

تحتل تركيا المرتبة 11 عالميًا بناتج إجمالي يتجاوز 1.6 تريليون دولار. تتميز بخبرتها الطويلة في تعديل موازين القوة في أوروبا وفرض سلطانها على القريب والبعيد.

أمام تراجع الالتزام الدفاعي للولايات المتحدة مع حلفائها، تتجه قوى دولية أخرى إلى بناء ترتيبات دفاعية مستقلة. تكشف هذه التحركات تآكل الثقة في واشنطن وتفتح المجال أمام منافسين آخرين.

هناك 4 مكاتب شديدة التحصين مرشحة لإحداث تغيير في مجرى التاريخ: اثنان في شرق آسيا، والثالث في قلب أوروبا والرابع في مدينة تقع بين قارتين وتطل على بحرين.

شارك الخبر: