قطر
ثقافة

من أهازيج الغوص إلى أغاني الفراق: كيف نسج أهل الخليج حكاياتهم مع البحر؟

الجزيرة٣١ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٠ م0 مشاهدة
من أهازيج الغوص إلى أغاني الفراق: كيف نسج أهل الخليج حكاياتهم مع البحر؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من أهازيج الغوص إلى أغاني الفراق.. كيف روى أهل الخليج حكاياتهم مع البحر؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في رحلة عبر الزمن، نستعرض كيف روى أهل الخليج قصصهم المتشابكة مع البحر، من أهازيج الغوص التي كانت تتردد في عرض البحر، إلى أغاني الفراق التي كانت تعبر عن لوعة الشوق والحنين. كانت أنامل البحارة تختزل خبرة السنين وهم يفلقون الأصداف بحثاً عن اللؤلؤ، في مشهد يجسد أملاً في رزق يعوض شهور العناء. كان الأطفال يراقبون آباءهم وهم يهيئون السفن للإبحار، يرددون أبياتاً تعكس قلقهم على آبائهم في رحلاتهم الطويلة، مناجين ربان السفينة "النوخذة" بتقصير الرحلة. هذه الأهزوجة تحمل في طياتها شيئاً من الخوف الذي كان يساور من يبقون على اليابسة، فالخليج الأزرق، رغم أنه مصدر الرزق، كان أيضاً عالماً يأخذ الأزواج والآباء في غياب طويل، تاركاً وراءهم انتظاراً مفتوح الاحتمالات.

لم تكن سيرة البحارة على سواحل الخليج وشبه الجزيرة العربية مجرد صيد للؤلؤ وتصديره، بل كانت قصة كفاح نسجتها سواعد واجهت الموج، وأشرعة قاومت الرياح، وأجساد غاصت في الأعماق. ومن رحم هذه الحياة، ولدت أغاني وأهازيج الغوص والإبحار، رافقت ألحانها مشاق العمل، واكتنزت كلماتها فيض شهور الفراق من شوق وخوف وحنين. هذه الأهازيج تكشف عن ملامح حياة عاشها الأهالي قبل الطفرة النفطية، عندما كان البحر ميداناً للرزق والمشقة، وكانت الأغنية رفيقة البحارة في كدحهم، تخفف عنهم وطأة العمل وتؤنس لياليهم، ثم تتحول في مجالس السمر إلى حكايات تُروى بالغناء.

كان لمواسم الغوص تقويم خاص يحكم حياة أهل الخليج، يبدأ بـ"الركبة" إيذاناً بانطلاق الرحلة، وينتهي بـ"القفال" مع عودة السفن. وقبل كل موسم، توضع المراكب في الماء لتتشبع أخشابها، فيما يستعد البحارة وأهاليهم للرحيل. أسماء سفن مثل "السنبوك" و"الجالبوت"، و"الهيرات" التي كانت مغاصات اللؤلؤ، لا تزال حاضرة في الذاكرة البحرية. على متن السفينة، تتوزع الأدوار بين "النوخذة" القائد، و"الغيص" الغواص، و"السيب" الذي يساعد الغواص، وبينهم صبية يتعلمون أسرار المهنة. في هذا الحيّز المحدود، كانت سلامة البحار رهينة يقظة الآخرين، والتعاون شرطاً للرزق والنجاة.

من مشقة هذا العمل، ولد الإيقاع؛ فكان للبحارة غناء يرافق دفع السفينة ورفع أشرعتها وتجديفها، تتناغم فيه الكلمات مع حركة الأيدي والأجساد. وعلى وقع الألحان، تتآلف السواعد المنهكة، وتمنح ساعات الكدح شيئاً من الأنس والخفة. ويتجلى هذا التآلف في أغاني البحر التي تناقلتها الذاكرة الشعبية في قطر، حيث تتردد العبارة الواحدة في إنشاد فردي وجماعي، مصحوباً بإيقاع الطبول أو تصفيق الأكف. ومن بينها أهزوجة "هولو" التي يتعاقب فيها الرجاء وطلب العون من الله: "يا الله يا الله يا الله قلنا يا الله هولو يا سيدي هولو يا فزعة الله". هذه الرجاءات تعكس طبيعة الحياة على ظهر السفينة، حيث تتضافر جهود البحارة في العمل كما تتآلف الأصوات في أداء الأهزوجة. وتتضح طبيعة الصلة بين عمال البحر في العلاقة بين "الغيص" و"السيب"، حيث تكون "شدّة حبل" واحدة الفاصل بين الحياة والموت. ومن هذه العلاقة التي يمتحنها البحر كل يوم، يكتسب الغناء معناه بوصفه صوتاً للتآزر في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر.

في وحشة البحر، يعلو صوت "النهّام"، مغني السفينة، الذي يؤانس رفاقه بالغناء، ويختار لكل ساعة أهزوجتها؛ فيبعث العزيمة وقت العمل، ويؤنس النفوس وقت الراحة، ويخفف الحنين إلى الأهل. وتُعرف أغانيه باسم "النهمة"، ومنها "اليامال" و"الخطفة" و"الحدادي". تتنوع أغاني "النهمة" بتنوع الأعمال؛ ف"الخطفة" أغنية رفع الأشرعة، و"الحدادي" أغنية أوقات الراحة. وفي معظم هذه الأغاني، يتردد لفظ الجلالة، ليستمد البحارة العون من الله وسط قلة حيلتهم أمام البحر. اختزنت بعض كلمات "النهمة" قلق البحارة على أرواحهم، ومن هذه المخاوف ولدت الأشعار المقترنة بالدعاء، التي تستحضر هشاشة الإنسان أمام البحر. تكشف هذه الأبيات عن خشونة التجربة؛ فالمحار النابت في القاع يحتاج إلى سواعد لانتزاعه، وقد لا يعود الغواص بما يكافئ العناء. وبين رجاء الرزق والخشية من المجهول، تتكشف في كلمات الأهزوجة حياة رجال غامروا بأرواحهم معلقين الآمال على ما تخبئه الأصداف. حملت أغاني وأهازيج البحر أيضاً معرفة البحار بدروب الماء وأسرار الملاحة؛ فتكررت في الأغنيات أسماء الموانئ والجزر، وامتزجت وجهات السفر بإيقاع الكلمات، ليصبح الغناء ذاكرة للرحلات وخرائطها.

لم تكن أغاني البحر حكراً على من يخوضون غماره؛ فقد كان لأهل اليابسة غناؤهم أيضاً، يرافقون به رحيل أحبتهم ويستودعونهم الرجاء بالعودة. يردد الصبية والفتيات أهازيج "الخطفة" كلما أوغلت سفن آبائهم في البحر، وفي كلمات تلك الأهازيج تتجاور لوعة الفراق مع التضرّع إلى الله أن يحفظ الغائبين. وحين تنقضي شهور الغياب وتلوح السفن عائدة، يخرج النساء والأطفال لاستقبال البحارة، ويعلو الغناء ابتهاجاً بسلامة العائدين، مطوياً بألحانه وحشة الانتظار ومبدداً الخوف. ومن أغاني الاستقبال، أهزوجة يمنية تحتفي بعودة البحارة وتستقبلهم بكلمات الترحيب والإشادة بشجاعتهم: "حيا ومرحب بالهادف من حضر رجال مثل النمارة ما تخاف الخطر". وللغزل أيضاً حضور في أغاني البحر؛ ففي قطر، كان البحارة يرددون أغاني "الخماري" قبيل إنزال السفينة إلى الماء، وتحفل كلمات هذا الغناء بأوصاف المحبوبة ومحاسنها، وما يخلّفه البعد عنها من لوعة وحنين.

في مجالس السمر، بعيداً عن قسوة الإبحار، استعاد أهل الخليج البحر في فن "الفجري"، الذي ينتشر من الكويت إلى سلطنة عمان. هذا الفن شديد الاتصال بحياة البحارة وعملهم، إذ يردد البحارة على اليابسة كلمات تستحضر حركات أجسادهم خلال العمل في البحر. في سهرات "الفجري"، يجتمع البحارة ليستعيدوا حياة البحر، فيعلو صوت "النهّام" منفرداً وتجيبه أصوات الحاضرين بالتصفيق، مع تداخل إيقاعات الطبول وآلات أخرى. وتروي أجساد البحارة خلال هذه السهرات قصة العمل، فتتحول الحركات التي فرضتها مشقة الرحلة إلى مادة فنية. وقد تجاوز هذا الفن حدود المجالس، وأُدرج عام 2021 على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي بوصفه أداءً يخلّد تاريخ الغوص بحثاً عن اللؤلؤ في منطقة البحرين.

تحمل أغاني البحر من سواحل الخليج العربي إلى شواطئ الجزيرة العربية، حكايات تتنوع بتنوع المرافئ واللهجات. غير أن اختلاف الألحان والكلمات لم يحجب ما يجمع أصحابها من شوق إلى الغائبين، وخوف على الراحلين، وطلب للمعونة خلال الرحلة، والأمل بالعثور على أصداف استودعها البحارة أحلامهم بالرزق. ولعل ما تختزنه أهزوجة "يا نوخذهم لا تطوّل عليهم" من رجاء يختصر حكاية هذه الأغاني جميعها، التي يتردد فيها صدى حياة كان البحر يحكم إيقاعاتها؛ فيهبُ أهل السواحل أسباب عيشهم، ويأخذ سنوات من أعمارهم.

شارك الخبر: