قطر
تكنولوجيا

من دعم الصحافة المستقلة إلى إثارة حماس مشجعي كرة القدم: استراتيجية الغارديان الجديدة لجذب القراء

الجزيرة٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:١٤ ص0 مشاهدة
من دعم الصحافة المستقلة إلى إثارة حماس مشجعي كرة القدم: استراتيجية الغارديان الجديدة لجذب القراء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من الصحافة المستقلة إلى كرة القدم.. كيف غيرت الغارديان خطابها لجذب القراء؟" نشر أولاً على موقع الجزيرة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على مدار عقد كامل، اعتمدت صحيفة "الغارديان" البريطانية على رسالة مفادها أن الصحافة المستقلة تستحق التمويل لقدرتها على محاسبة السلطة والدفاع عن حق الجمهور في المعرفة. ورغم نجاح هذه الرسالة في جذب 1.4 مليون داعم، إلا أنها لم تلق نفس الصدى لدى مشجعي كرة القدم الذين تابعوا كأس العالم 2026. دفعت هذه المفارقة الصحيفة إلى إعادة صياغة خطابها التسويقي، والانتقال من مطالبة الجمهور بدعم الصحافة المستقلة إلى دعوته للاستمتاع بالتغطية الرياضية تحت شعار "كل لحظة، كل مباراة".

ويستعرض الصحفي جون رحيم في تقرير نشره الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار "وان إيفرا" تجربة الصحيفة، استناداً إلى عرض قدمته ليز وين، المسؤولة الرئيسية عن شؤون الداعمين في الغارديان، خلال مؤتمر "الإعلام الرقمي الأوروبي" في لندن.

خطاب مختلف لجمهور مختلف

توضح وين أن الغارديان تتابع منذ 10 سنوات دوافع القراء لتقديم الدعم المالي، وتجد أن حماية حرية الصحافة والاستقلال التحريري تتصدر باستمرار هذه الدوافع، تليها جودة المحتوى الصحفي والتحقيقات الاستقصائية. وقد انعكست هذه الرسائل على حملات الصحيفة والدعوات إلى الدعم التي تظهر أسفل المقالات.

لكن بطولة كأس العالم كشفت حدود هذا الخطاب؛ فمشجعو كرة القدم، بحسب وين، لا يتحمسون بالضرورة للحديث عن استقلال الصحافة بقدر اهتمامهم بالتغطية الرياضية. لذلك أعادت الصحيفة بناء حملتها حول قيمة المحتوى الكروي نفسه، عبر 3 مراحل: التعريف بالعلامة الإعلامية، وإبراز ما يميز تغطيتها الرياضية عن المنافسين، ثم توجيه الجمهور إلى إجراء محدد. واختلفت الأولويات بحسب الأسواق؛ ففي الولايات المتحدة، ركزت الحملة على تعريف الجمهور بالتغطية الرياضية للغارديان. أما في بريطانيا وأوروبا، فتركز الجهد على تعزيز الاهتمام وتشجيع تنزيل التطبيق.

التطبيق بدلاً من طلب التبرعات

لم يكن الهدف المباشر للحملة الحصول على مساهمات مالية، وإنما توجيه المشجعين إلى تطبيق الغارديان الإخباري وبودكاست "فوتبول ويكلي". وترى وين أن التطبيق يوفر أفضل فرصة لتحويل الزائر العابر إلى مستخدم منتظم، لأنه يشجع على اكتشاف أقسام أخرى، والاشتراك في النشرات البريدية، وتفعيل الإشعارات، وتخصيص المحتوى عبر خدمة "ماي غارديان". كما أضافت الصحيفة لعبة كرة قدم يومية خلال البطولة، مستفيدة من الألعاب والألغاز في تعزيز الاستخدام المتكرر.

واستعانت الحملة بصناع محتوى عبر المنصات الاجتماعية للوصول إلى جماهير لا تصل إليهم الرسائل التسويقية التقليدية، وحققت بعض مقاطع الفيديو ملايين المشاهدات. وأظهرت النتائج تصدر بودكاست "فوتبول ويكلي" قوائم البرامج الرياضية لمدة 17 يوماً خلال البطولة، مع تضاعف الاستماع إليه تقريباً، ونفاد تذاكر أول عرض مباشر له في نيويورك. كما ارتفعت تنزيلات التطبيق بصورة ملحوظة مقارنة بمستوياتها المعتادة، قبل إطلاق حملة ثانية مع بداية الدوري الإنجليزي الممتاز للمحافظة على الجمهور المكتسب.

من خسائر ضخمة إلى 1.4 مليون داعم

تأتي هذه التجربة ضمن تحول اقتصادي أوسع بدأته الغارديان عام 2016، عندما كانت تخسر نحو 100 مليون جنيه إسترليني سنوياً، وتواجه، وفق وين، احتمال نفاد مواردها خلال 5 أو 6 سنوات. واختارت الصحيفة نموذجاً يقوم على إتاحة الأخبار مجاناً وطلب الدعم الطوعي من القراء، مستفيدة من ملكيتها عبر مؤسسة "سكوت ترست"، التي لا تخضع لمساهمين أو مالك فرد. وبعد 10 سنوات، ارتفعت مساهمة إيرادات القراء الرقمية في إجمالي إيرادات المؤسسة من نحو 2% إلى 45%.

وتقوم الاستراتيجية على 3 عناصر مترابطة: الدافع إلى الدعم، وبناء عادة الاستخدام، وتوفير مجموعة متنوعة من المنتجات المدفوعة. فالعلاقة العاطفية مع الصحيفة، بحسب وين، لا تكفي وحدها لضمان الاستدامة، بل تحتاج إلى سلوك متكرر يمكن قياسه بالتسجيلات والاستخدام اليومي والتفاعل مع التطبيق والنشرات البريدية.

الاشتراكات أكثر قيمة من المساهمات

طورت الغارديان محفظة تشمل التبرعات الفردية والدورية، والاشتراكات المرتبطة بالتطبيق، وخدمات القراءة دون إعلانات، وتطبيق الطهي "فيست"، إلى جانب فئة اشتراك مميزة تتيح الوصول إلى الأرشيف واستخدام حسابات متعددة. وتشير وين إلى أن الاشتراكات تنتج ثلثي الإيرادات المرتبطة باكتساب الداعمين الجدد، وأن الاشتراك الكامل يمثل وحده 40% من القيمة الدائمة المقدرة للاكتساب. وتبلغ قيمة الاشتراك نحو 10 أضعاف المساهمة المالية الواحدة، لكن الصحيفة تتمسك بإتاحة المساهمات الصغيرة لأنها تمثل مدخلاً أولياً لبناء علاقة مالية مع الجمهور.

الصحفيون خارج حسابات الإيرادات

رغم اعتماد الغارديان المتزايد على دعم القراء، تؤكد وين أن الصحفيين لا يخضعون لأهداف مالية تتعلق بالمشاهدات أو الإعلانات أو الاشتراكات. فقد يدفع تقرير سياسي آلاف القراء إلى المساهمة، لكن قرارهم يستند، في نظرها، إلى الثقة التي بنتها المؤسسة عبر سنوات من التغطيات السياسية والثقافية والرياضية والدولية، وليس إلى مادة واحدة أو صحفي بعينه.

وتكشف تجربة كأس العالم عن فرصة لتجاوز ما تسميه وين إرهاق الرسائل التسويقية، بعدما أصبحت التحسينات الإضافية على دعوات الدعم التقليدية محدودة. فبدلاً من تكرار المطالبة بتمويل الصحافة الحرة، خاطبت الغارديان جمهوراً جديداً من خلال اهتماماته المباشرة. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي لم تقدم وين إجابة حاسمة عنه: هل سيواصل مشجعو كرة القدم استخدام منتجات الصحيفة بعد انتهاء البطولة، وهل سيتحول اهتمامهم الرياضي إلى علاقة طويلة الأمد ودعم مالي مستمر؟ وتوضح التجربة أن استدامة إيرادات القراء لا تعتمد فقط على قوة الرسالة التحريرية، بل على قدرة المؤسسة الإعلامية على فهم اختلاف دوافع جمهورها، وبناء منتجات تحول الاهتمام المؤقت إلى عادة استخدام مستمرة.

شارك الخبر: